#dfp #adsense

كيف حكم “البعث” سوريا ولبنان؟… هكذا تفجّرت ينابيع الثورة في آذار

حجم الخط


كتب جورج بكاسيني في صحيفة "المستقبل":

فجّر أحرار سوريا ثورة حقيقية نتيجة تراكمات القمع والنزف البعثي التاريخي، إذ أن مجرد اشتعال الشارع في تونس ومصر كان كفيلاً ببزوغ فجر الحرية في أرجائها.

أخطأ النظام في قراءة ما يدور من حوله، فاندلعت شرارة "مقتله" في درعا حيث مارس أقسى أنواع الاستفزاز والهجمية، باعتقاله 15 طفلاً من عائلة واحدة بتهمة كتابة شعار "الشعب يريد إسقاط النظام" والذي تحوّل فيما بعد الى "أنشودة الثورة"، ولاحقاً اعتقال إحدى المدرسات التي ذهبت مطالبة بإطلاق أطفالها، فكان نصيبها الإهانة وحلق شعرها.

بعدها لم تقوَ كل محاولات القمع والترهيب التي أمعن النظام في ممارستها منذ عقود على مواجهة "الكيمياء" التي أوجدتها الثورة بين السوريين والتي ترجمت في شعارات رفعها الثوار كان أبرزها شعار "واحد واحد واحد…الشعب السوري واحد". شعارات رافقت مسار الثورة واستطاعت تغيير معادلة "فرّق تسد"، التي لطالما شكلّت أحد أهم أعمدة قيام النظام البعثي وسبب استمراره، وأزالت الحواجز والحساسيات المناطقية والطبقية ما شكّل استفزازاً لقواته التي لم توفّر وسيلة وحشية إلا واستعملتها علّها تقطع الطريق على كل مريدي التغيير والمعارضين وتعيدهم عن أهدافهم.

ذلك الطريق الذي فتحه اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري في بيروت وانتهى بدحر القوات السورية من على الأراضي اللبنانية، ومن ثم امتد ليزهر ربيعاً في تونس ومصر وليبيا واخيراً سوريا حيث بدأ تحرك الناشطين في أيار من العام 2005 بتأسيس تجمّع ديمقراطي ليبرالي كحزب سياسي معارض شكّل فيما بعد نواة "إعلان دمشق" وتضمن في برنامجه مطالب الثورة اليوم. الإعلان لاقى استحسان المجتمع الدولي، ما جعله الهاجس الأول للنظام كونه أول ورقة إجماع للمعارضة.

أكمل الناشطون تحرّكهم بـ"مأسسة" الإعلان الذي صدر في النصف الأول من العام 2006 باسم "إعلان دمشق – بيروت، بيروت – دمشق"، ما أثار حفيظة النظام الذي شن حملة اعتقالات ووضع على ذمة الاعلان 3 من الناشطين في السجن هم أنور البني وميشال كيلو ومحمود عيسى.

بعدها كرّت سبحة الاعتقالات التي نشطت في موازاة نشاط المعارضين الطامحين للتغيير. غيض من فيض أسّس فيما بعد لانفجار أتى بلباس الثورة الملهمة من الثورات العربية، واول ما ظهر في اعتصام قرّر الناشطون اقامته أمام السفارة المصرية تلاه آخر امام السفارة الليبية وفي الاثنين لوحق المشاركون وقطعت الطرق عليهم لعدم التمكن من بلوغ نقطة الالتقاء.

وشكلت الاعتصامات ومن بعدها التظاهرات مركزا لصناعة الشعارات او ساحة لحرب الشعارات التي ترجمت مطالب الثوار وتوّجت بـ"الشعب يريد اسقاط بشار". تظاهرات ألهبت شوارع درعا ومنها تدحرجت لتشعل كل سوريا.

فتح اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري في بيروت الطريق أمام ضغوط دولية قوية على النظام السوري، فقرر المعارضون السوريون تصعيد تحركهم ضد النظام. وما إن أُطلق سراح سهير الأتاسي والمجموعة التي اعتُقلت معها، في أيار 2005 حتى تنادى ناشطو المجتمع المدني لتشكيل تجمع ديموقراطي ليبرالي كحزب سياسي معارض وعلني. لكن قوات النظام سرعان ما حاصرت المكان الذي عُقد فيه أول اجتماع لهذا التجمع ومنعت المشاركين فيه من استكمال اجتماعهم، بعد أن كانوا وضعوا برنامجاً محدداً لمطالبهم التي هي مطالب الثورة اليوم: إلغاء كل المراسيم الصادرة منذ العام 1963 بما فيها الدستور وقانون الأحزاب، والمطالبة بالعودة الى دستور 1949 "مبدئياً" بانتظار إعادة صياغة دستور جديد، والدعوة الى إخراج الجيش من الحياة السياسية.

بدأ الناشطون تسويق هذه المطالب على قاعدة ما سُمّي "إعلان دمشق" الذي أصدروه في اليوم التالي لاغتيال الوزير اللواء غازي كنعان، أي في الشهر العاشر من العام 2005، فقرر كمال اللبواني السفر الى أوروبا، عن طريق لبنان، لتسويق حملة دولية داعمة للتغيير الديموقراطي في سوريا في ضوء التطورات الدولية الجديدة المناهضة للنظام. حمل "إعلان دمشق" الى مجلس العموم البريطاني، ثم الى الاتحاد الأوروبي، وبعده الى الولايات المتحدة الأميركية حيث زار البيت الأبيض والتقى نائب مستشار الأمن القومي جيه دي كروش. وكانت النتيجة إعلان البيت الأبيض عن هذه الزيارة، بناء لطلب الزائر، وإعلان تبنّيه لمطالب الشعب السوري بالتغيير الديمقراطي.

على الأثر عاد اللبواني الى دمشق عن طريق مطار دمشق الدولي، حيث اعتُقل في تشرين الثاني 2005 وبقي في السجن حتى تشرين الثاني من العام 2011. لكن "إعلان دمشق" بقي الهاجس الأول للنظام لأنه حظي باهتمام سوري ولبناني ودولي في آن، خصوصاً إثر انسحاب الجيش السوري من لبنان، ذلك أن هذا "الإعلان" حظي بتوقيع مئات الشخصيات السورية المعارضة، وتبنّي معظم فصائل المعارضة في الداخل وفي الخارج بحيث شكّل أول ورقة إجماع لهذه المعارضة، تماماً كما استُقبل بصورة إيجابية ملحوظة من جانب المجتمع الدولي الذي صار متحمساً لتغيير النظام أو في سلوكه.

"مأسسة" إعلان دمشق

في كانون الثاني 2006، خرج من السجن وليد البنّي ورياض سيف ومأمون الحمصي وحبيب عيسى وفوّاز تلّلو الذين قرروا، كما يقول الأخير، مع ناشطين في الخارج مأسسة "الإعلان" ووضع إطار تنظيمي له قبل أن ينضم إليه لاحقاً "الإخوان المسلمون". وبالفعل، صدر في النصف الأول من العام 2006 ما سُمّي "إعلان دمشق بيروت، بيروت دمشق"، الذي مثّل إعلاناً مُشتركاً لبنانياً سورياً وقّعته مجموعة مثقفين سوريين ولبنانيين، ونصّ على ضرورة إقامة علاقات متكافئة بين البلدين واحترام السيادة اللبنانية وترسيم الحدود.

على الأثر جرّد النظام حملة اعتقالات، فوضع على ذمة هذا "الإعلان" ثلاثة ناشطين في السجن هم أنور البنّي وميشال كيلو ومحمود عيسى.

في نهاية العام 2007، يضيف تلّلو: "وبعد أن استكملنا هيكليتنا التنظيمية لتجمع إعلان دمشق، عقدنا اجتماعاً سرياً في منزل رياض سيف، من دون علم الأجهزة الأمنية ولا حضورها، شارك فيه 170 شخصية تمثل كل الطيف السياسي السوري المعارض الحزبي والمستقل (أكراد وأشوريون وعرب وشيوعيون وقوميون وإسلاميون وليبراليون). دام الاجتماع 14 ساعة انتخبنا في ختامه رئيسة للتجمع هي فداء حوراني ابنة أكرم حوراني، ونائب أول لها علوي من حزب "العمل الشيوعي" هو عبدالعزيز خيّر، ونائب ثان هو عبدالحميد درويش أحد قادة الأكراد. كما انتخبنا أمينين للسر هما أكرم البنّي (مسيحي) وأحمد طعمة خضر (مسلم). كما انتُخبت أمانة عامة تنفيذية مؤلّفة من 17 شخصاً هي مزيج من كل القوى".

بعد هذا الاجتماع، أُعلنت نتائج الانتخاب فطار صواب النظام لأنها المرة الأولى التي تجتمع فيها المعارضة في الداخل وبهذه الطريقة السرية ومن دون علم الأجهزة وتقطع هذا الشوط من الخطوات. لكن "الاتحاد الاشتراكي الناصري" وحزب "العمل الشيوعي" اللذين يعدّان اليوم جزءاً من هيئة التنسيق الوطني جمّدا عضويتهما في "إعلان دمشق" بذريعة خسارتهما بعض المقاعد في الانتخابات التي جرت.

على الأثر، شنّت الأجهزة الأمنية حملة اعتقالات طالت 45 شخصية شاركت في الاجتماع، ولم تترك فرصة إلا ونكّلت فيها بكل من كان له صلة بهذا الاجتماع.

إنفجار وثورة

لكن تطوراً جديداً طرأ على المشهد السوري كانت له آثار مباشرة على حراك المعارضة تمثّل بقرار الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي فكّ العزلة الدولية عن نظام الأسد. إلا أن هذه الخطوة ترافقت، كما يتابع تلّلو، "مع ظهور مشكلات اقتصادية واجتماعية نتيجة تراكمات امتدت عقوداً منذ العام 1991 حيث بدأ النظام سياسة انفتاح اقتصادي لكنها كانت مفصّلة على قياس عائلة الأسد. فبدأت السيطرة على القطاع الخاص بعد أن سيطرت على القطاع العام، الأمر الذي استفحل مع وصول الأسد الإبن الى السلطة العام 2000 حيث صارت السيطرة على أي استثمار أكثر وقاحة من قبل".

يضيف تلّلو: "سيطرت عائلتا الأسد ومخلوف على أبرز القطاعات الاقتصادية في البلاد، بدءاً بالقطاع الخلوي مروراً بسلسلة المطاعم وصولاً الى الشركات الإعلانية أيضاً، ما فتح الباب أمام تحوّل بعض رجال الأعمال الذين شاركوا في هذه الاستثمارات الى مجرد موظفين عند آل الأسد. كل هذه الوقائع شكّلت إرهاصات اقتصادية بدأت تظهر على السطح بين عامي 2009 و2010 من خلال بعض الصراعات التي كانت تحصل بين دوائر النظام والسكان المحليين بسبب مخالفات صغيرة. كنا نتوقع أن الانفجار آت لكن في اتجاه الفوضى، بيد أن انطلاق الثورات العربية ألهم الشعب السوري ورشّد طريقه. انطلقت الثورة في تونس فلم نأخذ الأمر على محمل الجدّ في الأيام الأولى، قبل أن نكتشف أن ثمة أمراً حقيقياً يحصل… حتى صرنا رهائن لشاشات التلفزة لا نقوم بأي عمل سوى متابعة أخبار تونس. عندما انتصرت الثورة هناك شعرنا أن الشعب السوري هو الذي انتصر، خصوصاً أن النظامين التونسي والسوري كانت تربطهما صداقة معروفة".

ويتابع تلّلو: "عندما بدأت الثورة في مصر تركنا كل أعمالنا وصار همّنا الوحيد متابعة ما يجري هناك علّه ينعكس إيجاباً على سوريا. في هذه الأثناء حاولنا إقامة اعتصام بناء على اقتراح من سهير الأتاسي التي دعت ومجموعة معها الى اعتصام أمام السفارة المصرية في دمشق. حضر المئات لكن قوات الأمن منعتنا من الوصول الى مقر السفارة. ثم حصلت محاولات أخرى بعد أيام باءت بالفشل، وآخرها توّجت باعتداء قوات الأمن بالضرب على الأتاسي. انتصرت الثورة المصرية وانطلقت الثورة الليبية، وفور ظهور أنباء عن تنفيذ العقيد معمر القذافي مذبحة في طرابلس تداعينا بواسطة "الفايسبوك" الى اعتصام أمام السفارة الليبية قرب القصر الجمهوري في دمشق (الروضة) في 20 شباط 2010. حضر في اليوم الأول 150 شخصاً بينهم خمسة ناشطين معروفين فقط، أما الباقون فلا نعرفهم، فقد حضروا نتيجة علمهم بواسطة الفايسبوك".

حرب شعارات ضد النظام

في ذلك الاعتصام، ظهرت شعارات تستخدم حالياً في الثورة، أبرزها "يلّلي بيقتل شعبو خاين". في اليوم التالي تداعى الناشطون أنفسهم الى تظاهرة أمام السفارة نفسها أيضاً فاعتدى عليهم عناصر الأمن وفرّقوهم واعتقلوا بعضهم لفترة قصيرة. بالتزامن مع هذه التظاهرة حصلت مشكلة في منطقة الحريقة التجارية قرب سوق الحميدية عندما اعتدى شرطي على أحد تجار المنطقة فقامت تظاهرة شارك فيها ألفا شخص، ما اضطر وزير الداخلية الى الحضور شخصياً لفضّها. في تلك التظاهرة رُفع شعاران: الأول "حراميي" (في إشارة الى وزير الداخلية والشرطة)، والثاني "الشعب السوري ما بينذلّ".

تهيّب النظام هذه التطورات، وبدأ التحسّب من قيام ثورة كتلك التي شهدتها تونس ومصر وليبيا خصوصاً بعد أن أشعل المعارضون حرب الشعارات ضد النظام حيث بلغت يوم انتصار الثورة المصرية في 25/1/2011 حدود كتابة أحد الناشطين الدروز على أحد جدران ساحة المرجة في وسط دمشق شعار "ليسقط بشار الأسد".

في تلك الفترة، يضيف تلّلو، "تصاعدت حملة الشعارات على جدران المدارس، فاضطرت أجهزة الأمن الى فرز عناصر منها لحماية هذه الجدران ليلاً. كما صدرت تعليمات رسمية الى المحال التجارية المختصة بعدم بيع بخّاخات الألوان (سبراي) إلا بواسطة الهويات الشخصية، فيما بدأ الثوار يكتبون شعارات في بعض المناطق وأبرزها درعا على ظهور الكلاب الشاردة، ما كان يضطر قوات الأمن الى مطاردة الكلاب بين حي وآخر للنيل منها.

في هذا الوقت أيضاً، جرت محاولات للاعتصام احتجاجاً على شركة "سيرياتيل" التي يملكها رامي مخلوف بدعوة من سهير الأتاسي لكنها فُرّقت بالقوة".

يضيف تلّلو: "بدأت علامات القلق تبدو على النظام من خلال سلوك أجهزته الأمنية في الشارع حيث اقتبست دروساً من الثورات التونسية والمصرية واليمنية التي كانت قد بدأت للتوّ، وبنت استراتيجيات جديدة للقمع ما زالت تُستخدم حتى اليوم من خلال تجنيد كل الزعران والبلطجية (الشبيحة) وربطهم بمسؤولي الأجهزة في كل منطقة؛ فيما نفّذت مجموعة من السجناء السياسيين مثل كمال اللبواني وهيثم المالح وأنور البنّي إضراباً عن الطعام احتجاجاً على استمرار اعتقالهم، فأُطلق في اليوم التالي سراح المالح بعفو".

إعتصامات واعتداءات

في 15 آذار (2011)، تداعت مجموعة من الشباب والصبايا الى تظاهرة أمام الجامع الأموي في دمشق، عبر "الفايسبوك"، فاعتدت عليها قوات النظام قبل وصولها الى الجامع، فانتقلت الى مكان آخر قريب وسيّرت تظاهرة لمدة ربع ساعة فقط شارك فيها العشرات، قبل أن تصل قوات الأمن وتعتقل بعضهم مثل صبر درويش (علوي) وصبية تدعى مروى غميان وشقيقتها راما.

في اليوم التالي، أي في 16 آذار، نظّم أهالي وأصدقاء المعتقلين السياسيين المضربين عن الطعام اعتصاماً أمام وزارة الداخلية في دمشق شارك فيها 150 شخصاً معظمهم من الذين شاركوا في تظاهرات السفارتين المصرية والليبية، بينهم سهير الأتاسي ووليد البنّي وكاترين تلّلي (مسيحية من صيدنايا) ورياض سيف ومنتهى سلطان باشا الأطرش وفوّاز تلّلو، فاعتُقل 52 شخصاً منهم بعد الاعتداء عليهم بالضرب، وأصدرت وزارة الداخلية بياناً وصفت فيه بعض المشاركين في هذه التظاهرة بـ"المندسّين"، فيما لم يجد النظام رداً آخر على هذه الحركة سوى تسيير تظاهرة مؤيدة له.

في اليوم التالي، أي في 17 آذار، شعر المعارضون باستفزاز شديد من النظام، خصوصاً بعدما حوّل المعتقلين الـ52 الى المحاكم بدلاً من إطلاق سراحهم رغم وجود نساء وأطفال بينهم، فتنادى الناشطون عبر الفايسبوك لتسيير تظاهرة كبيرة في اليوم التالي أي في 18 آذار، بعد صلاة الجمعة. ولم يجد النظام نفسه يومذاك إلا محاصراً بمجموعة تظاهرات بدءاً من باحة الجامع الأموي في دمشق مروراً ببانياس وبنّش في إدلب ودرعا التي شهدت التظاهرة الأكبر بعد أن تلقّت صفعة استفزازية قوية من قوات النظام مطلع آذار.

ويروي تلّلو هنا أنه "قبل عشرين يوماً من موعد هذه التظاهرة في درعا، اعتقلت قوات الأسد 15 طفلاً من عائلة أبا زيد بتهمة كتابة شعارات "الشعب يريد إسقاط النظام" على جدران إحدى مدارس درعا. والمعروف أن ابن خالة بشار الأسد رئيس فرع الأمن السياسي في درعا عاطف نجيب هو الذي أمر باعتقالهم، قبل أن يعتقل إحدى المدرّسات من العائلة نفسها لأنها ذهبت لتسأل عن أولادها المعتقلين في مكتب عاطف نجيب نفسه، فكان نصيبها الإهانة وحلق شعرها. على الأثر، تجمّع أهالي الطلاب المعتقلين وتوجّهوا الى مكتب نجيب للمطالبة بإطلاق سراح أولادهم، فأجابهم الأخير: "إنسوا أولادكم.. وهاتوا نساءكم فنحن كفيلون بإنجاب أولاد لكم غيرهم". فكانت تظاهرة درعا في 18 آذار الردّ البديهي على هذا الموقف، لا بل الشعلة الأكبر التي ساهمت في اندلاع الثورة، خصوصاً بعد أن تعرّضت هذه التظاهرة لإطلاق النار مما دفع القرى المجاورة الى التظاهر في اليوم التالي دعماً لدرعا، فانقسمت أيام الأسبوع بين يوم للقتل وآخر للتشييع وهكذا دواليك، الى أن صارت القرى المجاورة والبعيدة تخرج الى الشارع متضامنة مع درعا وأبرزها منطقة الحجر الأسود في دمشق يوم 22 آذار".

موعد للتظاهرة… والتشييع

وهكذا كرّت السبحة، وصار كل يوم جمعة موعداً لتظاهرة، وبعده كل يوم سبت موعداً لتشييع يتحوّل الى تظاهرة، الى أن جاء شهر رمضان الكريم في آب 2011 فصارت التظاهرات يومية، واندلعت الثورة في كل أنحاء سوريا.

وكانت أعداد الثوار قد بدأت تتصاعد منذ أواخر نيسان، خصوصاً في المناطق الجنوبية كدرعا، وفي ريف دمشق الملاصق لدمشق، حيث بلغ بطش النظام ذروته يوم الجمعة العظيمة حيث قتل 125 متظاهراً سلمياً، قبل أن تبدأ انشقاقات محدودة في الجيش بالظهور رداً على إنزال النظام الحرس الجمهوري والفرقة الرابعة والشبيحة الى الشارع في مواجهة الناس. بدأ العمل المسلّح للمعارضة عملياً في حزيران حيث ظهر أول انشقاق في إدلب ثم امتد بعد نحو شهر الى حمص، وبدأت ترتفع وتيرة الانشقاقات وتتشكل سرايا وكتائب في العديد من المناطق من جنود منشقين ومدنيين للدفاع عنها وتحريرها حتى عمّت ظاهرة "الجيش السوري الحر" معظم أنحاء سوريا في أيلول.

أما اللافت للانتباه في مسار الثورة في سوريا، بحسب أكثر من ناشط معارض، أنها قرّبت جداً بين المواطنين بعدما أمعن النظام في سياسة "فرّق تسد"، فزالت الحساسيات الطبقية والمناطقية، وصار الناس يحبون بعضهم بعضاً. لم يقوَ النظام على مواجهة هذه "الكيمياء" الجديدة بين السوريين، كما لم يقوَ على مواجهة شعاراتهم التي يقول تلّلو إنها كانت تواجه على الدوام بشغب من قوات النظام: فمن الشعارات الأولى التي أطلقها الثوار "الله.. سوريا.. حرية وبس"، كان يردّ عليها مؤيدو النظام بشعار "الله.. سوريا وبشار وبس". ثم تطور شعار المعارضين الى "الشعب يريد إسقاط النظام" بعد شهر تقريباً من انطلاق الثورة قبل أن يتحوّل بعد أربعة شهور تقريباً الى "يلعن روحك يا حافظ… وأبو حافظ يلعن روحك". كما لم تخلُ تظاهرة من شعار "الشعب السوري واحد.. واحد واحد واحد". فلم يُرفع شعار طائفي واحد خلال كل هذه الفترة كما لم يردد المعارضون أغنية طائفية واحدة بخلاف ما ادعاه أهل النظام، فيما عمّت أهازيج الثورة الشعبية المناطق كافة وصار مطربو الأحياء نجوماً للثورة التي لعبوا دوراً كبيراً فيها.

هذه الشعارات أقلقت قوات النظام على نحو غير مسبوق الى حد أنها اضطرت في البداية الى مفاوضة بعض المتظاهرين بعدم استعمال شعار "الشعب يريد"، الى أن صاروا مضطرين للقبول به شرط أن لا يستخدم المتظاهرون شعار "يلعن روحك يا حافظ". كما أن أهالي المناطق يتندّرون بقصص ساخرة عن قوات النظام مثل أن بعضها عندما لاحظ شعاراً على أحد الجدران يقول "يسقط ابن بائع الجولان" سارع الى إضافة حرف "لن" في بدايته بحيث صار الشعار "لن يسقط ابن بائع الجولان".

لمراجعة الحلقات السابقة:

الحلقة السادسة: الربيع السوري مخرز في عين "البعث" منذ العام 1978
الحلقة الخامسة: الأب والابن.. من "التصحيح" في حماة الى "الإصلاح" في حمص
الحلقة الرابعة: "التوريث" في سوريا أنضجه النظام الأمني المشترك في لبنان
الحلقة الثالثة:
حكم النظام الأسدي يقوّض الأقليات مثلما يضطهد الأكثرية

الحلقة الثانية: الاغتيال بقرار رئاسي… المهنة الأساسية للعائلة الأسديّة
الحلقة الأولى: أول الكابوس البعثي حلّ الجيش الوطني واستبداله بآخر عقائدي طائفي

 

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل