الثّلاثاء الثّالث من الصّوم الكبير
قراءَة السُّريانيّ ٌ منْ أَقوالِ مارِ إِسحٰقَ (أَواخر القرن السَّابع) في الصَّومِ المقدَّس
* مائدَةُ الإِنسانِ الَّذي يُداوِمُ الصَّلاةَ هي أَحلى من عطرِ المِسكِ وأَذكى منْ أَريجِ الزَّهر، ومُحِبُّ اللهِ يتوقُ إِليها كإِلى كنزٍ لا يُقَوَّمُ بثمن.
خُذ لنَفسِكَ شفاءً لحياتِكَ منْ مائدةِ الصَّائمينَ السَّاهرين، أُولٰئِكَ العاملينَ في الرَّبّ، وٱنهض بنفسِكَ منْ مواتِها. بينَ هٰولاءِ يتَّكىءُ الحبيب، ويُقدِّسُهُم مُحَوِّلًا مرارَةَ ريقِهِم إِلى حلاوةٍ تفوقُ التَّعبير. * حينَ ينحلُ الجسدُ بٱلأَصوامِ والإِماتة، تتشدَّدُ النَّفسُ بٱلصَّلاة. * الجوعُ أضكبرُ معينٍ على تهذيبِ الحواسّ. * في بطنٍ مُتخَمٍ بٱلأَطعمة، لا مكانَ لمعرفةِ أَسرارِ الله. * كلُّ كفاحٍ للخطيئَةِ وشهَواتِها يجبُ أَن يبتدىءَ بٱلصَّوم، خصوصًا إِذا كانَ الجهادُ يتناولُ خطيئةً داخليَّة.* إِذا ٱبتدأْتَ بٱلصَّومِ في جهادِكَ الرُّوحيّ، فقد أَظهرتَ كُرهَكَ للخطيئَة، وصارَ النَّصرُ منكَ في منالِ البَاع.* أَلصَّومُ بدءُ طريقِ اللهِ المقدَّس، وصديقٌ ملازمٌ لكلِّ الفضائل. * أَلصَّومُ مقدِّمةٌ لكلِّ الفضائل، بداءَةُ المعركة، تاجُ النَّصرانيَّة، جمالُ البتوليَّة، حفظُ العفَّة، أَبو الصَّلاة، نبعُ الهدُوء، معلِّمُ السُّكوت، بشيرُ الخير.
بمجَّردِ أَن يبدأَ الإِنسانُ بٱلصَّوم، يتشوَّقُ العقلُ عِشرةَ الله.* حينَ أَظهرَ مُخلِّصُنا الصَّالحُ نفسَهُ للعالمِ عندَ الأُردُنّ، ٱبتدأَ منْ هٰذهِ النُّقطة: فورَ ٱعتمادهِ، قادَهُ الرُّوحُ إِلى البرِّيَّة، فصامَ أَربعين يومًا وأَربعينَ ليلة. وكلُّ الَّذينَ يُريدونَ أَن يقتفُوا خُطاه، يجبُ أَن يُؤَسِّسُوا جهادَهُم على نموذجِ عملِهِ.* يُقالُ في الشُّهداءِ إِنَّهُم، حينَ كانَ يَبلُغُهُم خبرُ اليومِ الَّذي سينالونَ فيهِ إِكليلَهُم، لا يذوقونَ شيئًا بتَّةً في اللَّيلةِ السَّابقَة، ولا يتناولونَ طعامًا، ولٰكنَّهُم ينتصبونَ منَ المساءِ إِلى الفجرِ في الصَّلاةِ، مُتيقِّظينَفي شكرٍ وحمدٍ، بتراتيلَ وتماجيدَ وتسابيحَ وأَلحانٍ روحيَّةٍ شجيَّة، مسرورينَ مُنتعِشين، مُترَقِّبينَ تلكَ اللَّحظَة، كما يشتاقُ النَّاسُ إِلى دُخولِ بيتِ العُرس. يَتُوقونَ، وهُم صائمون، إِلى ضربَةِ السَّيفِ يُكلِّلُهُم بإِكليلِ الشَّهادة.
ونحنُ، أَيُّها الإِخوَة، هٰكذا يجبُ أَن نكونَ على الدَّوام، مستعدِّينَ مُتوقِّعينَ الشَّهادةَ الخفيَّةَ ونَوالَ إِكليلِ الطَّهارَة.
الرّسالة: 2 قور 8: 1-9
ترتيب جَمع التبرّعات
1 ونعلمكم، أيّها الإخوة، بنعمةِ الله الَّتي وُهبتْ للمؤمنينَ في كنائسِ مقدونية:
2 فإنّهم معَ كثرةِ الضّيقاتِ الَّتي ٱمتُحنوا بها، فاضَ فرحهم، وتحوّلَ فقرهم الشّديدُ إلى غنًى بفضلِ سخائهم.
3 وإنا أشهدُ أنّهم، على قدرِ طاقتهم، بل فوقَ طاقتهم، ومن تلقاءِ أنفسهم،
4 سألونا بإلحاحٍ شديدٍ نعمةَ المشاركة في الخدمةِ لإعانةِ القدّيسين.
5 ولقد عملوا أكثرَ ممَا كنّا نرجو، فبذلوا أنفسهم للرّبِّ أوّلًا، ثم لنا بمشئة الله،
6 لذٰلكَ طلبنا إلى طيطسَ أن يكمّلَ عندكم تلكَ النّعمة كما بدأها.
7 وكما تزدادونَ في كلّ شيء، في الإيمان، والكلمة، والمعرفة، واجتهاد، والمحبّةِ الَّتي أودعناكم إيّاها، فليتكم تزدادونَ أيضًا في تلكَ النّعمة!
8 ولا أقولُ ذٰلكَ على سبيلِ الأمر، ولٰكنّي بٱجتهادِ غيركم أختبرُ صدقَ محبّتكم.
9 وأنتم تعرفونَ نعمةَ ربّنا يسوعَ المسيح: فإنّه، وهو الغنيُّ، قد ٱفتقرَ من أجلكم، لتغتنوا أنتم بفقره.
شرح آيات الرّسالة:
1 روم 15/26؛ 2 قور 9/1-5؛ 11/7-9؛ فل 4/10-18؛ 1 قور 16/5.
نعمة الله: التّبرّع المادّيّ نعمة روحيّة، ومجّانيّةُ عطاء، تعبير عن النّعمة المخلِّصة في المسيح يسوع: كما الله الآب شاركنا في تاريخنا البشريّ، والرّبّ يسوع الغنيّ شاطرنا فقرنا، كذٰلك يشارك مؤمنو قورنتس بتبرّعهم المادّيّ في حياة اخوتهم، في أورشليم.
كنائس مقدونية: برهنت دومًا عن سخاء في العطاء (2 قور 9/1-5؛ 11/7-9؛ فل 4/10-18)، حتّى إنّ بولس رفض قبول أيّ مساعدة من كنيسة قورنتس، وتقبّل راضيًا من كنائس مقدونية.
4 رسل 11/29؛ 2 قور 9/1.
نعمة المشاركة: حرفيًّا "نعمة وشركة الخدمة في سبيل القدّيسين".
الخدمة: التّبرّع المادّيّ هو أيضًا خدمة، بمثابة الرّسالة الإنجيليّة (3/8-9؛ 4/1؛ 5/18؛ 6/3؛ 11/8)، ومواهب الرّوح القدس (1 قور 12/5). العلاقة وثيقة بين النّعمة والخدمة (8/4، 19).
القدّيسون: هم المؤمنون في الكنيسة الأمّ، في أورشليم. وتتحقّق، بتبرّع الأمم لكنيسة أورشليم، نبوءة آشعيا على وحدة اليهود والأمم، في نُهية الزّمن (60-62)، زمن الكنيسة.
5 1 قور 16/1.
6 أن يكمّل عندكم تلك النّعمة: أهل قورنتس أوّل من أسهم في إقرار مبدأ التّبرّعات (10)، وطيطس الآن يُسهم في تحقيق المبدأ عندهم (7-8).
7 1 قور 1/5؛ 1 قور 16/1-2.
المحبّة الّتي أودعناكم إيّاها: حرفيًّا "المحبّة الّتي منّا فيكم"، وفي مخطوطات "المحبّة الّتي منكم فينا". فالتّبرّع المادّيّ هو أيضًا محبّة، والمحبّة هويّة المؤمن المسيحيّ (1 قور 13).
10 فل 2/6-7؛ متى 8/20.
آية تختصر سرّ المسيح كاملًا فتذكّر بنشيد فيلبّي (2/6-8). يشدّد بولس غالبًا على أنّ حياة المسيح قدوة ومثال للحياة المسيحيّة (روم 14/8؛ أف 5/1-2، 25؛ فل 2/5؛ 2 تس 3/7).
الإنجيل
متّى 23: 1-12
رياء الكتبة والفرّيسيّين
1 حينئذٍ كلَّمَ يسوع الجموع وتلاميذه
2 قائلًا: "على كُرسي موسى جَلَس الكتبة والفرّيسيّون.
3 فٱعلموا بكلّ ما يقولونهُ لكم وٱحفظوه، ولٰكن مثل أعمالهم لا تعملوا. فهم يقولون ولا يعملون.
4 إنّهم يحزمون أحمالًا ثقيلة، ويضعونها على أكتاف النّاس، وهم لا يريدون أن يحرّكوها بإصبَعِهم.
5 وجميع أعمالهم يعملونها ليراهُم النّاس: يُعرِّضونَ عصائبَهُم، ويطوِّلونَ أطرافَ ثيابهم.
6 ويحبّون مقاعد الشّرف في الولائم، وصدور المجالس في المجامع،
7 والتّحيّات في السّاحات، وأن يدعوهم النّاسُ: رابِّي!
8 أمّا أنتم فلا تقبلوا أن يدعوكم أحدٌ: رابِّي! لأنَّ معلِّمكم واحد، وأنتم جميعكم إخوة.
9 ولا تدعو لكم على الأرض أبًا، لأنَّ أباكُم واحد، وهو الآب السّماوي.
10 ولا تقبلوا أن يدعوكم أحدٌ مُدبّرين، لأنّ مُدبّركم واحد، وهو المسيح.
11 وليكُن الأعظم بينكم خادمًا لكم.
12 فمَن يرفعْ نفسهُ يُواضَع، ومَن يواضِعْ نفسهُ يُرفَع.
شرح آيات الإنجيل:
1 كلَّم يسوع: ترجمة أخرى "خطب" هٰذه الخطبة صدى ما لقيه يسوع من الكتبة والفرّيسيّين، ما عاناه من صدمات، على أنّها أيضًا، في صيغتها الحاليّة، صدى الصّراع القائم، أيّام متّى، بين كنيسته والمجمع اليهوديّ، بعد دمار أورشليم سنة 70، وهي تحمّل الفرّيسيّين تبعة مقتل يسوع. هٰذه الخطبة وصف للكتبة والفرّيسيّين (1-12)، وشكوى منهم (13-33)، وحكم على كلّ مخاصمي يسوع (34-36).
2-3 كرسيِّ موسى: يقرّ يسوع بما للفرّيسيّين والكتبة من سلطة دينيّة.
3 تث 17/10؛ ملا 2/7-8؛ روم 2/17-24.
4 لو 11/46؛ متّى 11/30.
أحمالًا ثقيلة: هي تفاسيرهم الضّيّقة للتّوراة، الّتي لا تُطاق، ولا يُعمل بها (15/1-20؛ 16/6؛ 19/3-9).
5 متّى 6/1، 5، 16، 18؛ عا 4/5؛ خر 13/9، 16؛ تث 6/8؛ 11/18؛ عد 15/38؛ تث 22/12؛ متّى 9/20.
يعرِّضون عصائبهم: عصائب جلديّة تُكتب عليها آيات من التّوراة، وتُعصب بها الأذرع والجباه، على ما جاء في توراة موسى (خر 13/1-16؛ تث 6/4-9؛ 11/13-21).
يطوِّلون أطراف ثيابهم: الطّويلة تذكّر بوصايا الله (عد 15/38-39؛ تث 22/12)، وأطالها الفرّيسيّون برياء، لكي يظهروا للنّاس أنّهم يحفظون وصايا الرّبّ.
6 مر 12/38-39؛ لو 11/43؛ 14/7؛ 20/46.
7رابِّي: ترجمة أخرى "يا معلِّمي".ترجمة الكلمة الآراميّة "رابّي" أي "معلّمي"، وهو لقب قانونيّ للمعلّمين اليهود، وقد أطلقه التّلاميذ على يسوع نفسه (26/25-49).
8-12 المعلّم والأب والمدبر: يحذّر يسوع تلاميذه من طلب السّلطة عجبًا بٱلنّفس وكبرياء. السّلطة، كما يراها يسوع، خدمة وبذل، وهو المثال. هٰذا المقطع موجّه إلى التّلاميذ دون سواهم، وقد لا يكون هنا في موضعه الأصل.
11 متّى 20/26-27؛ مر 9/35؛ 10/43-44؛ لو 9/48؛ 22/26.
12 أي 22/29؛ آش 2/11-17؛ مثل 29/23؛ حز 21/31؛ لو 1/52-53؛ 14/11؛ 18/14؛ متّى 18/4؛ 1 بط 5/5.
للعلم والخبر، للأمانة والدّقة، نعلن ما يلي:
مرجع نصّيِ الرّسالة والإنجيل: (الكتاب المقدّس، العهد الجديد، التّرجمة اللّيتورجيّة، إعداد اللّجنة الكتابيّة، التّابعة للجنة الشّؤون اللّيتورجيّة البطريركيّة المارونيّة. طبعة ثانية منقّحة – 2007).
مرجع شرح آيات الرّسالة والإنجيل: (الكتاب المقدّس، العهد الجديد، كليّة اللّاهوت الحبريّة جامعة الرّوح القدس – الكسليك 1992).
نقله: فلّاح بكرم الرّبّ.