(إلى الشهيد حمزة الخطيب ورفاقه)
كانوا يحملون أيامهم الصغيرة بلا أوزان،
وبأوراق كثرى،
(خفة الصبح
هدوء العابرين)
أطفال منتصف الشموس
أطفال كسور النهر
أعمارهم خلفهم ولا من يشير إليها
ولا من يسبق عينيه
إلى أجسامهم،
(خفة الصبح
هدوء العابرين)
أو يراهم خلف أكداس الصمت
أصوات ولا هواء سابقاً إليها
ولا رحمة
ولا نشيج
ولا شهقات تروى
أحزان الموتى ولا موتى يَذَّكرون
ألوان الشتاء ولا شتاء
يعتذرون باكراً من ربيعٍ عائد
من سماء أثقل من الرصاص
أوطأ من عيون الجنود الغابرين
كيف لكل هذه الأحمال،
(خفة الصبح
هدوء العابرين)
كيف لكل هذه الأحمال الشتى
كأنْ كلَّ لحظة قاطعة ما يشبهها عليهم
كأنْ كل نظرة سادرة ما يشبهها
على أدِيمهم الغامض.
أطفال كسور النهر،
أمهاتهم خلفهم (ومتاع السائبين)
أقوى من صمت الوجوه
أقسى من أيدٍ تلوِّح بالمناديل
أوسع من صرخة تمزج الهواء بالحجارة
تشق الأرض بالدمع
أمهاتهم وراءَهم ومتى للأمهات أن تكون وراءَهم
أطفال الثورات
ومِنْ أرحامٍ خصبة تدّر اللبن والعسل
والسهول
ومياه الجبال
من درعا تكبر الأنامل على الجدران
بألوان الهشاشة،
بألوان مجهولة
"الأطفال يريدون إسقاط النظام"
وبخطوط تختلط ببراءاتهم،
بتلك الألعاب الصغيرة الصغيرة من شتاتٍ
كيف للغرائز الأولى أن تكتب البدايات:
الدم القادم،
الأرض العطشى
(الوحوش وراءَهم يقطعون الأنفاس
بأيدٍ عالية
يُقبلون بأيدٍ عمياء من قتلاهم
عمياء من ضعف الأقمار عليهم
من خفوت الموتى)
من درعا الطبشور القاسي بأناملَ رمقِِ الغيمِ،
إلى دير الزور، حماة، حمص، جسر الشغور،
تتواكب "الأجسام" نثرةَ اللحظة
البارقة،
خمائر اللحم الهش،
يتهافت الأطفال كأن تنظر إلى السماء
وتتساقط نجومُ كثيرة،
كل نجمة أرضٌ عائدة،
كل نجمة دم بكر،
(الجنود لا يقتدرون
ولا الطغاة
ولا صُناع الأعمار المسروقة)
طفل فاثنان فعشرة فمئة.. فأكثر
فألف فأكثر،
كيف يعادل الطفل فجأة أجيالاً مديدة
بأجسام مكتملة من طزاجتها
بعيون مفتوحة من الأبد إلى الأبد
بعيون أنضجها الموت،
أرَّّقتها الطعناتُ سَمَلَتْها المسامير
بصدور لا تعرف غير الرحمة في بساطة جلدها،
كيف يتساوى الطفل بالشجر القديم
وبكلام الينابيع الذاهبة إلى الينابيع
(الطغاة لا يعتذرون
يدّربون أشجارهم على القطع
هواءَهم على الغبار)
الأطفال كأنما من أزقة سحيقة ومُدْبرة
يتهيأون ولا يدرون لرسائل عالية: من عّلّمهم هذه الأبجديات الحية،
مَنْ فَتَح اجسادهم قِبلةَ العواصف،
نِذرَ الخناجر:
صادَقوا أجسادَهم وبوفاء نادر
صادقوها حتى اللحظات الفاصلة،
المضمرة بجمودها،
الفائحة بألوان الرايات،
العامرة بأمهات متنِ الجذور
(الطغاة لا يعتذرون
بلا رؤوس تُمهل
بلا قبضات ترتعش)
الطفل المبتسم بعينين مطفأتين: يا للبسمة الكاملة
كل البسمات الأخيرة كاملة،
كالفجر قبل أن يتلاشى
الطفل عارٍ بجروحه: يا للكسوة الملكية،
الطفل المبقور: يا للهاوية المشعة،
الطفل الممهور بتوقيعات الجنود فجواتٍ
محفرة على ظهور هيأها الطعن لسماءٍ خالصة،
أطفال الربيع غاسلِ الممرات،
مقتحم مجاهل العمياء،
عابر الدَّساكر بأبهة السنوات العالية
ولا ما يُوقِع جريه، من غابة إلى
جبل، إلى مدينة،
المدن كلها كأنْ باتت أسرى ربيع
الأطفال الشائق،
لا أحدَ يعوِّض أياماً سائبة
لا أحد يُرجع الأطفال إلى الوراء،
وراءَهم عسير كأنْ تطبق شفة على
شفة
وراءَهم أمامَهم بهامات كثيرة،
لا أحد يقطع دروبهم عليهم: قطع الهواء
للهواء، الأنفاس للأنفاس،
(كيف تمتزج اللحظة الواحدة بتواريخ سحيقة
(كيف يصير كل شيء أطفالاً يكبرون في مآلاتهم وأحوالهم،
كيف تنعقد الأعمار بالأعمار:
الأطفال يعتمرون أقداراً طويلة
الشيوخ يخلعون سنواتهم ويصيرون أطفالاً:
الأشجار ترمي أوراقَها كلها عليهم دفءَ
فصول اجتمعت في عين واحدة،
النسوة التعبات ينهضن على حواس ابنائهن
يصبحن حواسهم الطالعة المتكاثرة بلا عدد أمامهم
(الطغاة لا يعتذرون
قاماتهم أقصر من رغباتهم
عيونهم أقسى من معادنهم
أيديهم أغبى من أصواتهم)
أطفال الربيع الأول قبل الأوان
هل ولدوا فجأة ومرات على تلك المعابر السائبة
على حافة المنعطفات الخطرة
هل ولدوا ليكبروا من دون ان يموتوا
أو ماتوا ليكبروا من دون أن يموتوا:
أي كفن عارٍ للولادات الآتية
أي كفنٍ يسبقه الأطفال إلى نهاياتهم
ولا أثقال ولا حقائب ولا وداعات ولا عتبات تَذْكر
هل ولدوا لحظة موتهم
أطفال الربيع الأول،
هل ولدوا مرة واحدة ليعيشوا مرات،
في الأول من كل ربيع أول،
في الأول من كل شتاء أول،
في الأول من كل آذار أول
في الأول من كل شهر أول
في الأول من كل عصر أول
في الأول من كل موت أول
في الأول من كل زمن أول فارق فصوله القديمة
بلا أسف،
الزمن الأول يولد مرة لعيش مرات
كيف يقسم الأطفال زمنين بلا رحمة،
ولا ندامة، ولا رجعة، ولا بقية،
زمن الموتى، زمن الولادات الغامضة،
زمن القتلة، زمن الأعناق الموطوءة،
زمن الدمع الغادر
زمن الأصفاد،
زمن الذل الطويل بلا تخوم ولا علامات
زمن القطعان المتدافعة بلا أوصال إلى أقدارها
كيف يقسم الأطفال زمنين بموتٍ واحد
زمن المُوَّلين بلا أسف،
من طغاة وموالٍ وقطاع كلام وطُرُقٍ وأنفاس،
تجلجل صدورهم بالأصفاد
تثقل حناجرهم بالمقاصل
طغاة الأمس
(كيف يقسم الأطفال زمنين بأصابعهم
بطبشور من ألوان عيونهم
بدم الشهقة الأولى
بخطوط البدايات
هكذا وللجدران ان تذوب
تحت غبار طبشور من ألوان عيونهم
وللحراس أن يسقطوا بلا هاوية ولا صلوات
هكذا وصرخوا بالأبيض والأسود وبالقمصان
وما تبقى في جيوبهم من ترابٍ وسماء
وهكذا صرخوا من تلقائهم (كأن ترتطم الجداول
بأكمة)،
من تلقائهم، من تلقاء الطبائع التي اختمرت
في أحشاء أمهاتهم
هكذا صرخوا بما أوتوا من أعمار لا يعرفونها:
"أحياناً لا تقتصر الحياة على العيش"
"أحياناً العيش هو الموت"
"أحياناً بلا خبز ولا لبن ولا بيت ويكون للحياة
أن تكون"
بدأوا ربيعهم في أحشاء امهاتهم
(أجنة تعلَّمت في العتمة كلام الضوء
تعلمت في الصمت لغات الأبدان
وبلا مخاض،
وكيف يقفز الأطفال أحياناً من الأحشاء
إلى الجبل بلا مخاض؛
كانوا في أحشاء أمهاتهم
يُصغون كثيراً إلى الشموس المُحترقة
على وجوه آبائهم وأجدادهم وأخوتهم
يتوجعون على مهانة ما يدور حولهم
وقبلهم، وأبعد وأقرب،
فخرجوا يرتضعون طلاسمَ الهواء، مفردات
الجوع، شيفرات القتل، وسر الأهواء،
ولعبة الشوارع والأرصفة والحيطان
يصرخون "أحياناً لا تقتصر الحياة على الولادة،
ولا على الشباب ولا على العيش، ولا
وراء الجدران…")
بدأ ربيعهم في أحشاء أمهاتهم
خرجوا يوافونه بأسئلة صعبة
قلَّ نظيرها حولهم
خرجوا يشهرون أسرارهم المقبلة
بلا رهائن، ولا مِهن ولا صنائع
خرجوا من جدران صَفيقة
بلا إذن ولا هوية ولا ملامح ولا أوهام
هكذا أحرار بولادتهم المفاجئة
مسافرين للرياح وبلا عتبات
مهملين وراءَهم سنوات يجهلونها
موصولين بوشائج الأرحام من أول درعا إلى
آخر قطرة دم في دمشق.
انهم زوّار الربيع وبلا مقدمات ولا طقوس ولا كراريس
"فلنَعِش الربيعَ هنيهة مطلقة (الربيع المطلق)
"فلنَعِش مكتشفين الأفول،
"أفول الطغاة (في ربيعنا يا للمصادفات!)
"زمن الطغاة المتلاشي على رؤوس أصابعنا
"زمن القتلة الغريق في دمائنا…."
لم يسبقهم اباؤهم هذه المرة، (ولا في المرات الآتية)
إلى المدن، والأزقة، والحقول والمتاريس،
لم يسبقهم اباؤهم هذه المرة إلى أحلامهم
لم يسبقهم طيرٌ إلى شجرة
ولا حصان إلى جبل
ولا هواء إلى سهل
ولا نشيد إلى الميادين
حمزة الخطيب ورفاقه الشهداء
أطفال الربيع
يحملون أيامهم الصغيرة بلا أوزان
خفة الصبح
هدوء العابرين
أطفال منتصف الشموس