كتب طارق ترشيشي في صحيفة "الجمهورية": انظار المراقبين للوضع السوري مشدودة الى جواب دول مجلس التعاون الخليجي على عرض وزير خارجية روسيا سيرغي لافروف عقد اجتماع مشترك بينه وبين «شركائه» الخليجيين المقترح بين السابع والثامن من الشهر الجاري، أي بعد يومين فقط من الانتخابات الرئاسية الروسية التي يعتقد كثيرون أنها ستكون محطة حاسمة في روسيا وسوريا معا…
بعد أن بات واضحا الارتباك في الموقف الاميركي والغربي تجاه الأزمة السورية والذي يُعبَّر عنه بتصريحات متناقضة، بل بتصريحات ينطوي الواحد منها على تناقض واضح بين مقدماته والنتائج، تُصبح معالجة "الهجمة الخليجية" على سوريا، وخصوصاً "هجمة" الرياض والدوحة، مفتاح حل الأزمة في دمشق في اعتبار أن هاتين الدولتين هما الداعم الرئيسي للمعارضة السورية، وهنا تحاول موسكو أن تدخل على خط هذه المعالجة عبر حوار مع دول مجلس التعاون الخليجي، بكل ما يعنيه الحوار من تطمينات لهذه الدول من جهة، ومن دعوة لها الى الانخراط في مسار تسوية سياسية للأزمة السورية.
ومما لا شك فيه، حسب المراقبين السياسيين، أن المفاوض الروسي بات في موقع أقوى، خصوصا بعد التطورات الميدانية الأخيرة التي شهدتها سوريا عموماً، و مدينة حمص خصوصا، بعد انهيار مواجهة المسلحين في حي "بابا عمرو" الذي وصفه مناهضو النظام بأنه "ستالينغراد سوريا".
والورقة الثانية التي تمتلكها موسكو ومؤيدو موقفها في المنطقة والعالم هي أن الحكومة السورية مستعدة للحوار مع معارضيها، وأنها قد قدمت كل ما كان مطلوباً منها من قوانين إصلاحية في مقدمها الدستور الذي يتردد أن استعجال الرئيس السوري بشار الأسد في عرضه على الاستفتاء كان بناء على نصيحة روسية ترافقت مع ما يمكن إعتباره ضوءا أخضر روسياً لحسم في "بابا عمرو" يُظهر أن النظام في سوريا أقوى مما كان يعتقد مناهضوه، كما أن المعارضة، بشهادة داعميها، هي أضعف من أن تسقط نظاماً بهذا التماسك.
ويعتقد السياسيون المتابعون أن واقع المعارضة السورية في شقيها السياسي والعسكري هو ورقة ثالثة يمكن الروس أن يستخدموها في مفاوضاتهم مع دول الخليج تماماً مثلما استخدموها هم والصينيون في محادثاتهم مع العواصم الغربية والاوروبية. فالانشقاق في المجلس الوطني السوري الذي أُعلن قبل أيام، ناهيك عن الفشل في توحيد معارضي الداخل والخارج، ورفض قائد "الجيش السوري الحر" العقيد رياض الأسعد القبول بـ"المجلس العسكري" الذي إقترح برهان غليون تشكيله في باريس أمس الاول، كلها مظاهر تؤكد سلامة الموقف الروسي والصيني والإيراني بضرورة إنجاز حل سياسي يقوم على الحوار والاصلاح مع إستبعاد أي تدخل خارجي أعلن أمس الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي نفسه إستحالة حصوله من دون تفويض مستحيل في الأصل من مجلس الامن، على رغم من ان هذا الاستنتاج الفرنسي جاء بعد مقدمة أعلنت فيها باريس إغلاق سفارتها في دمشق.
ويروي بعض السياسيين القادمين من دمشق طرفة تقول "أن السوريين في عصر مقاومتهم للانتداب الفرنسي كانوا يرددون هتافاً يقول "باريس مربط خيلنا"، فجاء رئيس المجلس الوطني السوري غليون "ليطبّقه" عملياً حين اختار باريس مركزاً لتوجيه العمل العسكري للمعارضة السورية والتخطيط له وضبطه".
واذا أُضيف الى هذا المشهد زيارة تم الاحتفاء بها لوزير خارجية دولة الإمارات العربية المتحدة عبدالله بن زايد الى طهران ورسو السفينتين الحربيتين الايرانيتين في ميناء جدة يمكن من خلال ذلك إستبيان مناخ جديد بدأ يرتسم في أفق العلاقات الخليجية ـ الايرانية، وإن كان بعض المتشددين في تحليل المشهد السوري سيقولون أن دول الخليج تضغط على طهران لفك إرتباطها بدمشق وهو عكس المطلب التاريخي لهذه الدول بفك إرتباط دمشق بطهران.
وما يؤكد هذا التوجه هو تسارع التصريحات الاسرائيلية حول الموقف من النظام السوري والتي أخذت تتوالى في الأيام الاخيرة، الأمر الذي فسّره متخصصون في الشؤون الاسرائيلية بأنه محاولة تقوم بها حكومة نتنياهو لاقناع الرأي العام المتطرف في إسرائيل بأنها قد فعلت كل ما تستطيع من أجل دعم المعارضة في سوريا، بل أن بعضهم ذهب الى اكثر مما كان متوقعاً منه حين بدأ يكشف عن "إتصالات" مع رموز سورية معارضة، بل عن "زيارات" قام بها بعض هؤلاء الى اسرائيل نفسها. ويقول الاسرائيليون في معرض تبريرهم لسياسة "النأي" بتل ابيب عن التدخل صراحة في الملف السوري "أن ذلك كان بناء على طلب المعارضة نفسها التي يُحرجها الإعلان الاسرائيلي عن دعمها"، وانهم، اي الاسرائيليين، يفضّلون مساندة سرية كتلك المناورات التي جرت في الجولان قبل اسبوعين وضمت الى الإسرائيليين اميركيين واوروبيين وبعض "مواطني الدول العربية". وقد قال وزير الدفاع الاسرائيلي ايهود باراك نفسه "ان هذه المناورات كانت تضم عسكريين "متخصصين" من دون ان يوضح ما هي طبيعة هؤلاء المتخصصين وما هي "هواياتهم".
ويذهب المتخصصون في الشؤون الاسرائيلية الى القول "ان إعلان تل ابيب دعم المعارضة السورية هو نوع من الإقرار بسيطرة النظام في دمشق ومحاولة تبرئة الذمة أمام الرأي العام الاسرائيلي بأنها قامت بما عليها ولكن "الله غالب"، حسبما يقول ابناء المغرب العربي.
كل هذه المؤشرات تدل الى ان كفّة التسوية بات مترجحة على الكفّة الأُخرى، وأن هذه التسوية على المستوى الدولي سترافقها تسوية على المستوى الاقليمي والعربي وصولاً الى تسوية على المستوى الداخلي في سوريا، وهنا تبرز اهمية دور موسكو التي يبدو أن رئيس وزرائها فيلاديمير بوتين قد بات متأكداً من فوزه غداً برئاسة بلاده وفي الدورة الاولى من الانتخابات الرئاسية الروسية، وهذا ما يفسّر عرض لافروف عقد اجتماعات مع نظرائه الخليجيين بعد هذه الانتخابات مباشرة، مما يشير الى اطمئنانه ورئيسه الى نتائجها مسبقاً، وبالتأكيد أن هذا الدور الروسي مدعوم صينياً وايرانياً ولدى دول "البريكس" ودول عربية تُعلن غير ما تُضمِر ولا تُخفي تعاطفها مع النظام السوري، وإن كانت تصوت ضده "فقلوبهم مع الأسد وأصواتهم عليه".
وفي أي حال لن يكون الإنتصار الميداني للنظام في حي "بابا عمرو" من دون تداعيات على غير مستوى، وإن كان المسؤولون السوريون يؤكدون لزوارهم هذه الأيام أنه "حين تكون المعركة داخلية فما من أحد ينتصر على الآخر، ولكن مع تزايد الاصابع الخارجية فإن قطعها هو بلا شك إنتصار للوطن على أعدائه".