
كتب إيلي الحاج في صحيفة "النهار" :تعطي قوى 14 آذار على التوالي إشارات عودة إلى الحياة. بعد الذكرى السابعة لاستشهاد الرئيس رفيق الحريري ورفاقه في 14 شباط الماضي في "البيال" حيث أعلنت تلاحمها مع السوريين الثائرين في وجه نظام الرئيس بشار الأسد، ها إنها تصعّد سياسياً للمرة الأولى بهذين الحدّة والتصميم على المواجهة.
بدا المؤتمر الصحافي الذي قاده الرئيس فؤاد السنيورة في مجلس النواب معبراً على هذه الطريق، فلم يسبق منذ مدة طويلة أن وقف رجال التحالف السيادي وقفة حازمة ومدروسة كما فعلوا أمس. والأربعاء المقبل 7 آذار سيعلن "تيار المستقبل" من "بيت الوسط" وثيقة سياسية مهمة تحدد ثوابته في خضم المتغيرات التي تعصف بالعالم العربي والآتية انعكاساتها حتماً إلى لبنان. لتنتقل الحركة مجدداً الأربعاء 14 آذار إلى "البيال" حيث تستعيد "ثورة الأرز" ذكرى انطلاقتها بمواقف قوية تعوّض المهرجان الجماهيري الغائب لأسباب أمنية، وتقذف الكرة إلى ملعب "حزب الله".
مرحلة جديدة، الأرجح لن يكون ما بعدها كما قبلها
المشهد الآذاري في "البيال" يختلف عن المشهد الشباطي. الديكور مدرجات صاعدة ومقسمة كأنها قاعة لمجلس شيوخ كبير ليجلس نحو 3000 مدعو، حزبيين ومستقلين، ناشطين وشخصيات مؤيدة لـ"14 آذار". وعلى المنبر ستتوالى شهادات لمجموعة مختارة بعناية من كتّاب وأساتذة جامعيين وناشطين بارزين عن "ثورة الأرز"، كيف عاشوها وما غيّرت فيهم وحولهم. فشريط لقيادات ووجوه سياسية ساهمت في انتفاضة الاستقلال ولا تزال في المعمعة. ثم تُتلى وثيقة رؤية 14 آذار وخريطة طريقها للتعامل مع تحديات الأيام الآتية. ترتكز على أن النظام السوري انتهى، سقوطه مسألة وقت وسيغيّر أوضاعاً كثيرة في لبنان والمنطقة.
من سيتابع وثيقة 14 آذار – التي لا تزال مشروعاً وفي طريقها إلى نيل موافقة القيادات النهائية عليها – سيستنتج على الأرجح أن المعركة واحدة في سوريا وفي لبنان. معركة يقتصر فيها الاختلاف على أنها هناك في مواجهة نظام حليف لإيران، وهنا في مواجهة حزب أكثر من حليف لإيران. لكنها تبقى في لبنان تحت السقف الذي حدّده الرئيس سعد الحريري في "البيال" قبل شهر: ضمان تفادي الفتنة السنية – الشيعية، أي عدم نقل المواجهة إلى الشارع وحصرها في السياسة والإعلام، وإن أرفق تعهده هذا بدعوة "حزب الله" إلى عدم الاستمرار في تغطيته المتهمين الأربعة في اغتيال والده الرئيس الشهيد ، والمرشحين للازدياد أمام المحكمة الدولية ، تحت طائلة أن يصبح الحزب ذاته متهماً.
تدعو وثيقة 14 آذار أيضاً إلى السلام للبنان، خارجياً بالتزام القرارات الدولية والمعاهدات وقرارات القمم العربية، وداخلياً بالتسليم للدولة بحقها في أن تكون دولة فعلاً، ولذلك شروط في طليعتها تسليم السلاح إلى الدولة. خصوصاً أن هذا السلاح لم تعد له أهداف لبنانية إطلاقاً بل أصبح كلياً في خدمة مشروع إيراني ستنقطع أوصاله مع السقوط المرتقب، عاجلاً أم آجلاً للنظام في دمشق بفعل إصرار الثوار والحملة الدولية – العربية ضد، والتي ستشتد بمرور الوقت.
سيرفع طرح قضية السلاح غير الشرعي حرارة السجالات في لبنان لاحقاً، وكالعادة سيتجاهلها "حزب الله" في البدء لاعتباره السلاح في حوزته مقاوماً ومقدساً، لكن ثمة في 14 آذار من لا يستبعدون أن يطلب الحوار في شأنه في ظروف معينة سعياً إلى مصالحة لن تتحقق إلا بشروط الدولة.
وتقدم الوثيقة كذلك رؤية إلى "الدولة المدنية"، وتعريفها أنها توازي بين المواطنية للفرد والتعددية للجماعات التي يتكوّن منها لبنان، فتتحرر الإدارة والقضاء على سبيل المثال من القيد الطائفي والزبائني، وتفتح الطريق أمام إنشاء مجلس الشيوخ الذي نص عليه اتفاق الطائف لطمأنة الجماعات الدينية، ولم ير النور بسبب ربطه بإجراء انتخابات لمجلس النواب خارج القيد الطائفي. إلا أن هذه المسألة قيد البحث نظراً إلى دقتها وحساسيتها لبعض أفرقاء التحالف.
لكن أبرز ما يهم المنظرين لربيع لبناني متجدّد تقوده 14 آذار هو رسم طريق لتحويلها كتلة عابرة للطوائف تتشارك المبادئ والقيم التي قامت عليها "ثورة الأرز" وتدافع عنها، فلا تلقى الوثيقة الجديدة مصير سابقتها التي حملت في "البريستول" تواقيع الشخصيات القيادية قبل الانتخابات النيابية الأخيرة عام 2009 وما لبثت أن دخلت عالم النسيان. فلا الاوضاع تتحمل خيبات اضافية، ولا الناس الذين صنعوا 14 آذار.