كتبت صحيفة "اللواء": السؤال الذي يشغل الأوساط، من دبلوماسية، إلى سياسية، واستخباراتية، وأمنية، سورية، ولبنانية وعربية وإقليمية ودولية: هل نجح بشّار الأسد الرئيس السوري «بضربة باسماركية» في بابا عمرو في حمص بإسقاط كل النماذج التي دارت في أفق صنّاع السياسة في هذه المنطقة، من الليبي إلى اليمني، بعدما أصبح النموذجان التونسي والمصري من النماذج التي يتندّر بها أهل الرأي وخبراء الاستراتيجية في الجامعات والمعاهد، أو على شاشات التلفزة أو صفحات الجرائد؟..
واستطراداً، هل ثبّت الأسد الإبن أقدامه في السلطة التي كانت تُرجِّح دائماً الرهبة على المحبة، عملاً بنصيحة نيقولو ميكيافللي للأمير عندما نصحه بأنه من «الأفضل أن يخافوك على أن يحبّوك».. والناس لا يترددون في الإساءة إلى «ذلك الذي يجعل نفسه محبوباً، بقدر تردّدهم في الإساءة إلى مَنْ يخافونه.. لأن الخوف على الخشية من العقاب، وهي خشية قلَّما تُمنى بالفشل»..
شكَّل مكيافللي «المعلِّم» الأول لحافظ الأسد الرئيس الذي حكم سوريا من العام 1970 إلى العام 2000، والذي جمع إلى الشدَّة البراغماتية في إيجاد الحلول والتسويات، بعد الضربات الموجعة. ويحتفظ بشّار الأسد «بالسجل الذهبي» لوالده، الذي مهَّد له الوصول إلى الرئاسة الأولى، بالأدوات، وبالطريقة، وحتى المجموعة البشرية نفسها، قبل أن ينقلب عليه عبد الحليم خدّام صديق والده منذ أن كانا شابين يافعين على مقاعد الدراسة في أربعينات القرن الماضي، وابتعاد الرفيقين الآخرين مصطفى طلاس، الذي بقي وزيرا للدفاع لعقود، وحكمت الشهابي الذي بقي رئيساً للأركان حتى تقاعد..
يعرف الرئيس بشّار، الذي أتى إلى السياسة من الطب، وليس من الحزب، والإنقلاب العسكري، الذي عُرفت فيه سوريا منذ خروج الإنتداب الفرنسي، حتى قبض الرئيس الراحل حافظ الأسد على السلطة بالإنقلاب الشهير، والذي كان آخر الإنقلابات، أن محرّكات سياسة والده من الثوابت، التي يتعيَّن احترامها، حتى لا يذهب الملك وأهله..
/ومن زاوية خلدونية (نسبة إلى ابن خلدون)، فإن الرئيس الذي يأتي بعد الأب المؤسِّس، يكون المباشر للحكم، يفتقد إلى الإبداع، ولا يكون بحاجة إلى اجتراح معجزات أو مبادئ جديدة، لأن الأوضاع والظروف لم تكن تغيّرت كثيراً بين المؤسِّس والمباشر. هذا يعني بكل بساطة، أن بشّار سار على نهج حافظ، إلّا أن المتغيّرات كانت كاسحة لدرجة لم يكن يتوقعها أحد:
1- جاء الانسحاب العسكري السوري من لبنان، بمثابة الضربة الموجعة للأسد الإبن، الذي وجد نفسه عاجزاً، عن إدارة ملف تسارع إلى درجة، أدّى به إلى انسحاب لطالما وصف بعبارات من الخصوم قبل الأصدقاء، بأنه لم يكن مناسباً، بل «مُذلّاً»، ومزعجاً، ويدل على نكران جميل، ليذهب النظام ويتحدث عن سوريا أولاً..
2- شكّلت التحوّلات الدولية، منذ انهيار المعسكر الشرقي وحركات التحرر، نقطة ضعف وعزل في عالم النظام، الذي أتقن المناورة، لكن فن الخداع، ضاق به، ولا حاجة لذكر وقائع، تدعم هذا الإستنتاج.
3- في لحظة عاصفة، إلتهب المشهد الداخلي في الإقليم العربي، وتفجّرت انتفاضات، تحوّلت إلى ثورات في عدد من الدول، وما لبث الأمر، أن وصل إلى سوريا، التي تحتفل الحركات الإحتجاجية في منتصف الأسبوع المقبل، بذكرى مرور عام على اندلاعها.
4- لم يتنبّه رأس النظام طويلاً، إلى أنه هو الهدف، وأن المعركة الإعلامية والسياسية، والعسكرية تستهدف رأسه. إلّا أنه وجد نفسه فجأة في خضمّ مواجهة مصيرية، النصر أو الهزيمة كلاهما له ثمن باهظ.
5- إحتمى النظام بلوحة مستجدة من موازين القوى، تمثّلت إقليمياً بإيران وحزب الله والعراق، ودولياً، بالاتحاد الروسي والصين، في ما يشبه العودة إلى «الحرب الباردة» ولو من بوابة المصالح المتضاربة بعد الأزمة الاقتصادية الدولية، والإنهيارات التي تهدّد بلداناً في أوروبا الشرقية والبرتغال وإسبانيا، فضلاً عن اليونان، التي كادت أزمة المديونية فيها، تهدّد الوضع السياسي للحكومة اليونانية.
6- وفَّر الفيتو الروسي والصيني في مجلس الأمن المظلة الدولية لنظام الأسد، ووفّرت المصالح الطائفية والإتنية والإقتصادية المظلة الإقليمية ليذهب الأسد إلى عملية الحسم، بعد الإستفتاء على الدستور الجديد، الذي يشكّل، بصرف النظر، عما شاب أو اعترى عملية الاستفتاء من إشكالات عملية أو إقتراعية أو سوى ذلك، ورقة لمصلحة النظام، وليست عليه، عندما أقدم على إلغاء قيادة حزب البعث «للدولة والمجتمع»، مشيراً الى تعددية سياسية بصرف النظر عمّا إذا كان النظام سيأخذ بها أم لا..
نجح النظام في سوريا من توجيه ضربة إلى خصومه، مستعيداً شيئاً من هيبة الخَلَف. لقد حكم الأسد الأب سوريا، كعلوي يصل إلى سدة الرئاسة بقوّتين: البعث والطائفة العلوية، مع أنه تصرَّف طوال حكمه كرئيس مسلم، وفّر للسنّة السوريين الضمانات والإمتيازات، ولم يبدو عليه أنه أجرى تمييزاً بين الطوائف في سوريا، ومع ذلك، واجه بشراسة حركة «الإخوان المسلمين» في بدايات الثمانينات من القرن الماضي.
مرّة ثانية، يتكرّر المشهد، يضطّر الإبن للمواجهة بشراسة أكبر، مستنداً في الوقت نفسه على قوّتين: الحزب الذي صار كسائر الأحزاب، ولو بقي في السلطة الآن، والطائفة العلوية، التي تشعر بأنها تواجه خطراً محدقاً بها كأقلية، في ظروف تقدّم فيها الشعار الطائفي على ما عداه، وذهبت المنطقة إلى مرحلة عاصفة، من التموضعات وبناء المعادلات الجديدة..
ليس بإمكان الأسد الآن، أن يكتفي بما ظفر به في السياسة وعلى الأرض، فالمواجهة لم تنتهِ، وسيرورة الحرب الحالية في سوريا مرشحة لفصول جديدة، ما دام المحتجّون، يقاتلون بالتظاهرة، والدم، وصولاً إلى العمليات الانتحارية..
إنه سباق على كسب الرهان: الثورة بإسقاط النظام، والنظام بكسر الثورة. والرهان دائماً بالحديد والنار!