لا تقاس المجموعات السلفية والبعثية التي تواجهت امس في وسط بيروت بالاحجام الضخمة لقوى 14 آذار و8 آذار في مبارزاتها الشعبية الشهيرة عام 2005 وبعده، ولكنها نجحت في اشاعة ذعر امني خشية اندلاع فتنة بالواسطة، وبفعل تضخيم اعلامي ارتجالي ذهب بعيدا في سوء التقدير.
ومع ذلك لا يجيز هذا العامل انكار تعامل الدولة بمنطق الدولة مع هذا "الحدث"، ليس من منطلق اثبات قدرتها الامنية على منع اي تفلت او شغب او اثارة فتنة، وهذا اقل المتوقع منها، بل من منطلق رفضها لنظرة "دونية" اليها تستند الى خلفيات مشروعة ومبررة.
بدت الدولة في عدم استجابتها للمطالب بمنع التظاهرتين صاحبة "ثقافة دولة"، وهذا وحده كاف للتصفيق لوزير الداخلية الذي قرن منطق الحريات بحسن الحزم، وهو ما يقتضي الاعتراف له بموضوعية بهذه الوقفة. وقد يصح للمشككين القول إن جيشاً من اكثر من 60 الف جندي وقوى امنية تربو على الـ30 ألفاً، الى اجهزة امنية تضم ألوفاً ايضا، لا يبقى معهم مجال لتضخيم هذه "البطولة"، لكن الامر لا يتعلق بحسابات عسكرية مقدار تعلقه بمخالفة الدولة، ولو في نموذج كهذا، الانطباع المأثور عنها بأنها دولة هاربة دوماً حين تحتك حساسيات الطوائف والمذاهب وتنذر باشعال الشرارة. لنقل من دون تضخيم إنها علامة نضج جيدة ومعمودية متقدمة للثقة بالنفس، قابلة للانسحاب والتمدد الى الاكبر والادهى من الاختبارات التي تنفتح عليها الساحة اللبنانية كلما توغل الحدث السوري الضخم في تطوراته المخيفة. ولنقل إن الدولة أسرت نفسها هذه المرة في منطق لم يعد في مقدورها التراجع عنه، وهو منطق حماية الحريات والاستقرار سواء بسواء، دونما خوف من عقيدة دينية او حزبية.
وغني عن البيان ان افضل ما تفوقت به الدولة، حتى على الذين طالبوها بمنع التظاهر، هو انها تركت الاحجام تبرز اقصى ما لديها لتنكفئ الى حجمها الطبيعي. ولو قمعت التظاهرة لكان "العملاق" الوهمي خرج من قمقم ضحية "القمع". ومن قال إن الدولة ومنطقها لا يتسعان لاحتواء اكبر العمالقة؟
أما الجانب الاخر للمشهد فيضع القوى السياسية "الوازنة" برمتها امام اختبار مباشر مع صعود الانفعالات المذهبية والحزبية على نار الحدث السوري. ولا يمكن تجاهل معنى تجاوز قوى 14 آذار رمزية ذكرى اليوم الذي استولدها قبل سبع سنوات مراعاة لحد ادنى من الاستقرار، وكذلك موقف "تيار المستقبل" من اعتصام السلفيين البارحة. فهذا ايضا منطق مبدئي لمعارضة تنادي بمشروع الدولة شاء من شاء ان يعترف لها بذلك ام ظل متنكرا لأن "دولته" على غير هذه المفاهيم.