#adsense

قلق أقلّ..

حجم الخط

انتهت "موقعة" وسط بيروت الاعتصامية والخطابية على خير. لكنها كانت بالغة الدلالة الى بدء تشكّل نمط فكري ـ سياسي وأدائي مختلف عمّا سبق وعشناه في السنوات الماضيات.
وليست الظاهرة السلفية جديدة، ولا طارئة على الحياة اللبنانية.. وتقويمها وقياس حجمها وتأثيرها ليست كلها المقصود الراهن، إنما الأداء الاستثنائي إزاء الثورة السورية الذي كان مقتصراً على الأطراف في الشهور الماضية، ثم تمدّد الى الوسط المركزي للعاصمة، قاصداً ايصال صوته الى أبعد مدى ممكن.. أبعد من مساحة طرابلس شمالاً وصيدا جنوباً.. وحقّ أصحابه في ذلك لا يُجادَل، بل ان ما يُجَادَل ويُناقش (ويُمنع) هو سعي أي فريق الى دكّ ركائز أمان لا تزال مغطّاة بإسمنت متين إشتراه كل المعنيين!

وفي ذلك، إتّسم الأداء بالأمس بالحنكة.. إذ ان تأكيد التزام أسس العيش الوطني اللبناني، جزء مطمئن رغم وضعه في سياق النزاع مع سلطة الأسد. والاشادة المتكررة بالقوى الأمنية، تعني الالتزام بمهامها الأولى وهي عدم المسّ بالقوانين والنظم العامة للجمهورية، وبالتالي عدم إطلاق خطاب استفزازي تنفيري تجاه أي جهة محلية.

..وطبيعي أن يقلق أهل الاجتماع المدني الدولتي اللبناني من ظواهر قد يراها مؤثرة سلباً، على نظامه وطريقة عيشه وحريته ومتطلباته. وطبيعي أكثر، أن يدبّ القلق من أي محاولة للنفخ على الرماد لتبيان الجمر الذي تحته، والذي لا تطلب سلطة تحرير حمص من أهلها، شيئاً مثلما تطلبه في لبنان.. لكن ما جرى بالأمس، في وسط العاصمة، كان مدعاة لقلق أقلّ من ذلك الذي عوّدتنا عليه أدوات السلطة الأسدية منذ سنوات. وأقلّ بما لا يُقاس، من تأثيرات الفلتان الممانع في إبراز دعم لا مثيل له، لتلك السلطة، وتحت شعار "النأي بالنفس" أو "عدم التدخل" في ما يحصل!

الجهر بمعارضة تلك السلطة سياسياً وإعلامياً، يبقى أقلّ وطأة من الجهر بدعمها، ومن تفعيل ذلك الدعم. ويبقى بالمعنى الأخلاقي والإنساني (والتاريخي) أمضى وأنبل من الوقوف الى جانب من يرسل قواته بكلّ عدّتها العسكرية والأمنية البرية والجوية والتشبيحية لمواجهة متظاهرين ظلوا عشرة شهور يواجهون الرصاص والمدافع بالصوت والأنشودة والرجاء والدعاء!

ونعم: خطيرة لعبة الشارع بكل تأكيد، خصوصاً إذا تصاحبت مع عزف لا ينقطع على ناي الأفاعي الفتنوية السامة، علماً أن تحرك الأمس لا يُوضع في هذا السياق.. لكن ما الذي كانت تفعله، ولا تزال، قوى الممانعة منذ سبع سنين الى اليوم غير ذلك؟! واستمرت فيه بعد اندلاع الثورة السورية؟!

..ربما الآن (ربما مجدداً) ينتبه أخيراً هؤلاء الذين افترضوا وتصرفوا على أساس انهم وحدهم، ولا يهمهم أحد، ولا يرون قبالتهم أحداً.. ربما ينتبهون الى بعض النتائج الحتمية لمراسهم ذاك. والى معنى تشاطرهم وسعيهم الى تركيب ميزان القوى على قياسهم وهواهم في بلد مثل بلدنا، أول عجيبة خالدة فيه تقول، ان تركيبته ليست صدفة طارئة، وإن أحداً، مهما تكبّر وتجبّر، لا يستطيع أن يلغي أحداً!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل