اختبارات الشعبية في الشارع لم تعدْ تُجدي في لبنان، فجميع الأطراف صارت أحجامهم معروفة، ولم يعد هناك أي لزوم لاجراء الاختبار في كل مناسبة أو ظرف إلاّ للذين يُشككون في حيثياتهم الشعبية.
قوى 14 آذار اختارت هذه السنة أن تُحيي الذكرى ليس كالسنوات السابقة، تحديداً في الشكل، أبعدت خيار الحشد المليوني لاعتبارات عدّة أبرزها:
ليست هذه القوى في موقع المحتاج الى تثبيت الشعبية، فمَن يملك نصف مجلس النواب عبر صناديق الاقتراع، لا يحتاج الى تأكيد ذلك في كل يوم وكل مناسبة.
الاعتبار الثاني ان التهديدات الأمنية التي تطاول رموز وقادة 14 آذار، ولا سيما الرئيس سعد الحريري، تُحتّم عدم المغامرة بإقامة احتفال جماهيري. وأكثر من ذلك، فإنّ الحال الصحية للرئيس الحريري بسبب الكسور في رجله، لا تتيح له العودة الى لبنان لأنّ الأطباء صارمون في عدم السماح له بالخروج من منزله.
الاعتبار الثالث، انّ ما تريد قوى 14 آذار قوله في هذه المناسبة، ستقوله في أكثر من محطة من اليوم وحتى الرابع عشر من آذار. فالمحطة الاولى ستكون الاربعاء في بيت الوسط من خلال الوثيقة التي ستُعلَن والتي ستُحدّد موقف تيار المستقبل من الربيع العربي. أما المحطة التالية، فستكون في يوم الرابع عشر من آذار لتجديد الثوابت.
هذه المحطات إنْ دلّت على شيء فعلى انّ النضوج السياسي لدى قوى 14 آذار لم يعدْ يضع الشعبية في رأس سلّم الأولويات، بل انّ هذه القوى تُركّز على المضمون الذي هو الأساس في الانتظام الداخلي العام وفي علاقة لبنان بالخارج.
هذا المضمون ليس عصياً الى درجة لا يمكن فهمها، انّ فلسفة الخطاب السياسي لقوى 14 آذار تقوم على مبدأ لبنان أولاً. هاتان الكلمتان كافيتان لاختصار كل شيء في ما يتعلّق بالبلد، وهما تعنيان ان الأولوية هي للداخل في كل شيء، أما الخارج فيأتي لاحقاً.
ما تتمناه قوى 14 آذار من الطرف الآخر في البلد هو أن يتم التعاطي معها وفق طروحاتها وليس وفق أي شيء آخر، وعندها يتم الاحتكام الى مضامين المواقف وليس الى الأشكال والشكليات.
هكذا، بين سياسة النأي بالنفس التي يعتمدها رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، وسياسة لبنان أولاً التي تنتهجها قوى 14 آذار، فإنّه ليس من الصعب على اللبناني أن يختار بين المضمونَين. لقد وضعت سياسة النأي بالنفس لبنان في مصاف الدول المنعزلة والمعزولة، فيما وضعت سياسة لبنان أولاً، لبنان، في مصاف الدول التي لها وجود على الخارطة الدولية. وعلى هذا الأساس لم يعد من الصعب الخيار والاختيار.