حذارِ ظاهرة الشيخ «أحمد الأسير»، تابعتُ بالأمس وقائع حشد اللحى تحت عنوان فضفاض هو «نصرة الشام والأقصى»، مُجدداً اللبنانيّون لم يتعلّموا من أخطائهم، سواء أجرجروا تحت عنوان «العروبة» أو «فلسطين» أو دعم ثورة «أريتريا» أم دعماً «للزعيم الأحمر» في الصين والأخضر في ليبيا، والأبرص والأجرب والأصهب وهلمّ جراً!!
والسؤال الذي لم نعثر له على إجابة بعد هو: «من أين «نبق» الشيخ الأسير على الساحة السُنيّة»؟! يحقّ لي كواحدة من أبناء هذه الطائفة، التي لم تكن يوماً في لبنان إلا في خط الاعتدال، أن أقول «لا لحية، ولا عمامة، ولا جلباب، ولا التدريب الخطابي على المرآة ودراسة حركة اليدين والأصابع في الإستعراض الخطابي الذي قدّمه الأسير بالأمس هو صورة المسلمين في لبنان، ففي ذاكرتنا ووجداننا الإسلامي ما أكثر كلام «الحقّ الذي يُراد به باطل»، وبالنسبة لي كواحدة من أبناء طائفة أهل السُنّة في لبنان وجدت تطابقاً مخيفاً بين كلام الشيخ أحمد الأسير وبين ما يقوله حزب الله، فكلاهما يتسلّلان من نفس الغطاء الوهمي المخادع، فلسطين والقدس، وكلاهما يلتحفان الدين وسيلة للوصول إلى غاية وهدف بصرف النظر عمّا إذا كان هذا الهدف معلناً أو غير معلن!!
ولأن ذاكرة اللبنانيين قصيرة، ورديئة، لا بُدّ من استحضار «شبح» شيخٍ أصاب اللبنانيين بالذّعر عام 1983 وكان دأبه في خطبة الجمعة التي ترك له منبر مسجد جمال عبد الناصر لتوجيهها تحريضاً على المسيحيين وبثّ التخويف والذّعر في نفوس اللبنانيين، الشيخ عبد الحفيظ قاسم وحركته تحت مسمّى «اتحاد علماء المسلمين»، وهو فرع «مشايخ وعمائم مخابراتي» تمّ إنشاؤه برعاية المخابرات السورية وما زال مستمراً إلى اليوم في خدمة هذه المخابرات، يومها أُخرج الشيخ عبد الحفيظ قاسم من أحد زواريب الطريق الجديدة ليشقّ صفوف أهل السُنّة وليقف في وجه المفتي الشهيد حسن خالد ومشهد أداء الصلاة في ضيافة بطريرك لبنان، في إطار استعادة لبنان لوحدة جناحيه، وكان دوره مقصوراً على زعزعة الثقة بين اللبنانيين عموماً ثمّ أهل السُنّة خصوصاً، لكأننا نستعيد التجربة من جديد إنما بقناعٍ آخر!!
هي محاولة جديدة تقدّم خدمة جليلة للمتربصين باعتدال الطائفة السُنيّة ومحاولة تقديمها في صورة التشدّد والتطرّف، والمشهد الأول في مسرحية «بن لادنيّة» أهل السُنّة في لبنان قدّمه أمس الشيخ الأسير في استعراضٍ ظاهره نصرة الشام والقدس، وما أدراك ما نُصرة الشام والقدس، ومن مكان له رمزيّة شديدة الخصوصيّة هي خصوصية يوم 14 آذار 2005، مشهد الأمس أخافني كثيراً، هؤلاء ليسوا نحن؟!فمن هم؟ولمصلحة من تمّ تقديم هذا الاستعراض؟ وماذا لو قرّر الأخ الأسير تقديم استعراضٍ ثانٍ لنصرة أفغانستان والشيشان وبلوشستان وباكستان وكردستان، أو أي «ستان» في هذه العالم؟!
حتى الدعوة إلى الاعتصام فيها الكثير مما يثير القلق الحقيقي: «الشيخ أحمد الأسير يدعوكم»؟! «بلا زغرة بأي أحد:مين الشيخ أحمد الأسير»؟، وحتى لا يسكر بعض السذّج والطيبين بمشهد الأمس:حذارِ ثم حذارِ من ظاهرة الشيخ أحمد الأسير، والمهمة الخطيرة الموكل إليه تنفيذها، ثمّة فتنة يُراد لها أن تندلع بين الشيعة والسُنّة، أطلّت برأسها بالأمس وما أسرع ما سيتم دفع الاعتدال السُني إلى اكتشاف أن مهمّة الشيخ الأسير هو إشعال حريق ما تُلقى فيه الطائفة خدمة لنصرة أنظمة ما!! وما هو أسوأ من هذا وذاك هي هذه «الكنفشة» التي أبداها «الشيخ» بالأمس وقد أناط بنفسه مهمّة طمأنة المسيحيين في هذا الشرق وتأكيده لهم: «انتم لا تطلبون الحماية من احد بل نحن نطلب منكم الحماية من خلال بقائكم وحضوركم معنا، لان المشروع الصهيوني يريد تفريغ المنطقة منكم كي تتشوه صورة الاسلام»، وهذا كلام حقّ فإفراغ المنطقة من مسيحييها ضرب عنيف لصورة الإسلام المعتدل الذي لا يتمظهر الشيخ أحمد الأسير بمظهره!!
«هذا المشهد شاهدته وأنا في السابعة عشرة من عمري عبر لحية وعمامة عبد الحفيظ قاسم»، ولا استعداد لدى كثير من المسلمين في لبنان لأن يكرروا نفس الخطأ الذي ارتكبوه عام 1983 واستمر عرضه عبر خطب الجمعة التحريضيّة إلى أن وقع على رؤوسنا مشهد انقلاب 6 شباط 1984 ووضع حركة أمل يدها على قرار تعطيل قيام الدولة اللبنانيّة!!
مشهد الأمس «رخصة» كاملة الأسباب لتكشير التطرف الإيراني عبر حزب الله أو فيلق القدس عن وجهه ودوره الحقيقي في لبنان، في وقت تم فيه بنجاح تعطيل دار الفتوى ودورها برأس فَسَد وحان وقت إخراجه من سُدّة الدار حفاظاً على الطائفة ودورها وتاريخها واعتدالها، وليس من حقّ مفتٍ عاجز عن مقاومة نزوات فساد ولده الذي لا تيق بأفعاله كلمة شيخ أن يكون في هذا الوقع لرمزيته الكبرى، وليس من حقّ رموز الطائفة أن يدفنوا رؤوسهم في الرّمل والقول أن حلّ االفساد بلفلفة ملفاته، الفاسد مكانه القضاء والمحكمة، فالمسلمون في لبنان أهم بكثير من المفتي محمد رشيد قباني وولده راغب، ومصلحة لبنان بمسلميه ومسيحييه أن لا يكون الناطق باسمهم «أحمد الأسير» المجهول التمويل والدور والأهداف والجهة التي تقف خلف مشروعه التوريطي للطائفة السُنيّة!!