#dfp #adsense

نحاس… فاتحة الأضاحي

حجم الخط

 

كتب عبد اللطيف درزي في "اللواء": في 13 تشرين الأوّل 1990، غادر الجنرال ميشال عون القصر الجمهوري في بعبدا والذي كان قد استوطنه خلال فترة ترؤسه الحكومة العسكرية خفافاً إلى السفارة الفرنسية، والتي دلف إليها وقتذاك لاجئاً هرباً من الطائرات الحربية السورية التي صيّرت حلمه المشبوب بكرسي رئاسة الجمهورية كومة من الحطام والحجارة المبعثرة… وأنهت تمرده ضد الشرعية.

نعم عاد الجنرال ومعه معاونوه الخلّص الذين أصبح منهم نواب ووزراء… وحتى عملاء! الحلم لم يعد جمهورياً بل أضحى بونابرتياً ربما لوجود تشابه في القامة والشكل وسوداوية المزاج وحدّة الطباع بين الجنرال اللبناني والامبراطور الفرنسي والكورسيكي المنبت وكذلك في اتساع رقعة الطموحات والمرئيات عند الرجلين… ولكن… مع اختلاف كبير في المسلكية العسكرية والمناقبية بينهما، إذ يروى عن الجنرال بونابرت انه كان يقوم في ليلة من الليالي الباردة بجولة على جنوده المنتشرين على طول الجبهة مع الإنكليز وفي طريق عودته إلى خيمته وجد الحارس الخفير المولج بحراسته قد استبد به التعب، فألقى بندقيته جانباً مستسلماً لسلطان النوم، فما كان من الجنرال الكبير إلا أن حمل البندقية وانتصب خفيراً إلى أن استفاق ذلك الجندي المتعب، بخلاف جنرالنا…! الذي ترك جنوده البواسل المدافعين عن مقره الحصين في عتمة ليل حالك السواد يلاقون مصيرهم المحتوم تحت جنازير الدبابات السورية في الثالث عشر من تشرين الأوّل 1990.

وفي السادس من شباط من العام 2006 عَقد اتفاقاً تحالفيا مع "حزب الله" سمي بورقة التفاهم فالحزب من جهته يحتاج إلى ظهير مسيحي يكون له بمثابة لسان داخل المناطق المسيحية وغطاء يعطيه نوعاً من التوازن والانسجام داخل منظومة العمل السياسي، أما الجنرال عون فقد وجد في هذا التفاهم ينابيع للقوة وحائط دعم لأسلوبه المتهالك والممض في إدارة وتدبير شؤون البلاد، وكوّة في الجدار الفاصل بينه وبين رئاسة الجمهورية.

هذا التفاهم بين "حزب الله" وعون ليس زواجاً كاثوليكياً، بل هو أشبه ما يكون بزواج المتعة مهما طال زمنه… وهو تحالف الصدفة ينتهي باستنفاد الأغراض المنشودة من ورائه… وأضحى الحزب هو من يزكي رؤساء الحكومات ويشكّل التوليفات الوزارية ويوزّع الحقائب الخدماتية الدسمة ذات المردود الانتخابي على التيار البرتقالي الملتحق به.

إن التصويب على رئاسة الحكومة على الرغم مما يمثله هذا المقام من ثقل طائفي في الميزان الديمغرافي اللبناني ومحاصرتها أمر مثير للريبة ويطرح جملة من علامات التعجب والاستفهام!… فالجهة التي تريش سهام حقدها وغلّها إلى موقع رئاسة الحكومة…. وصلاحياتها معروفة الهوية والتوجه وآخر إبداعاتها انكبابها على وضع مشروع نظام داخلي لمجلس الوزراء واجهته عونية، ولكن كواليسه تمتد من حارة حريك مروراً بعين التينة وصولاً إلى طهران. يقول العاملون على هذا الخط إن الهدف من وراء ذلك هو تنظيمي بحت لكن في طواياه ما هو الا محاولة لتحجيم وتقزيم دور… الكرسي الثالثة.

إن هذه المشاريع المفضوحة الغايات والمقاصد تعمل على تهشيم شجرة رئاسة الحكومة لتصبح اوتاداً منتصبة تنتظر من يضرم فيها النار تصب في خانة إثارة الفتنة بين المسلمين!.

إن كلام الجنرال ميشال عون وتصريحاته… عن صلاحيات رئيس الحكومة وضرورة إيجاد نظام داخلي يقونن عمل مجلس الوزراء يبدو للوهلة الأولى خطوة باتجاه تأطير حركة ونشاط هذه المؤسسة ولكنه في حقيقة الأمر كلام حق يراد به باطل ويخفي وراءه نية مبيّتة في ترسيف رئيسها بأغلال تشريعية تحد من قدرته على الحركة… واتخاذ القرارات باستقلالية وحرية… إنه يريده أن يملك ولا يحكم!. لا خلاف بأن النائب عون يُشكّل الأكمة التي يتلطى خلفها "حزب الله" في معركته المحمومة لتقويض المداميك التي تقوم عليها الرئاسة الثالثة بهدف إضعافها وإفقادها عوامل قوتها وذلك لحساسية هذا الأمر مذهبياً وطائفياً، فهو لا يستطيع بحكم موقعه "المقاوم" وبسبب التحالفات التي حاكها مع جماعات سنية مجاهدة ان يخوض هذه المغامرة وجاهياً، وعوضاً عن ذلك فهو يعمل على تذرير وتشطير هذه الطائفة الأمة… وهو لهذه الغاية يوزع الأموال الحلال والسلاح يميناً وشمالاً من دون حساب لتقع الواقعة بين السنّة… هذا ضرب من النفاق السياسي والمخاتلة…! إنه حقد التاريخ… وهذيان الذاكرة بفعل حمى الثأر… وشلل العقل الذي أرهقته ايديولوجية البكاء والدم… ليرمي "حزب الله" أوراقه كاملة، فاللعبة أضحت مكشوفة و"الصولد" قد بدأ.

بعض المراقبين لسلوكيات التيار العوني ينعون عليه فقدانه للمصداقية وإخلاله بأبسط القواعد الخلقية التي تحكم العلاقات الإنسانية، وهو مستعد دوماً أن يساوم ويقاول… وبيع أقرب المعاونين والمقربين في "بازار" التسويات… وما جرى للوزير المستقيل شربل نحاس يندرج في هذا السياق، فرأسه كان ثمن الصفقة التي عقدها جنرال "التغيير والاصلاح" مع القابضين على القرار في البلاد.

إن التضحية بالوزير نحاس أثارت حفيظة بعض أعضاء تكتل "التغيير والإصلاح"، ويبدو انها كانت الدافع وراء الزيارة التي قامت بها قيادة حزب "الطاشناق" لنائب رئيس مجلس الوزراء الأسبق ميشال المرّ، والتي وصفها البعض بأنها خطوة على طريق إعادة احياء العلاقة التاريخية القائمة بين الطرفين والتي شابها بعض الفتور في أعقاب انضمام الحزب الأرمني إلى التحالف العوني وقفزة إلى الأمام قد تكون توطئة لفك ارتباطه بهذا التكتل… ربما استشعاراً منه للأخطار الوافدة على المنطقة، ولمعرفته بانخراط حليفه المتوثب بمشروع فئوي خطير لا طائل منه للأرمن تحديداً ولا للمسيحيين عموماً، وليقينه بأن الجنرال القابع في الرابية لن يتورّع عن إحراق البلد وتدميره مرّة ثانية بعد حروبه العبثية الطويلة ليتهافت على الكرسي الأولى ويعتنقها فقد أضحت هذه الكرسي عقدة عنده إنها Complexe de Chaise… فهل يكون الوزير نحاس فاتحة أضاحي الجنرال في سبيل الرئاسة!.

المصدر:
اللواء

خبر عاجل