قديماً قيل «اقعد اعوج واحكي جالس» والقصد من هذه الحكمة الشعبية، حضّ الناس على قول الكلمة الحق مهما كان موقع قائلها وكيفما كان موضعه، ولكن ما العمل اذا كان فريق من السياسيين، موجودا تحديداً في تكتل 8 آذار، وانعم الله وحزبه عليه، بكتلة محترمة عددياً من النواب، ومثلها في الحكومة، ومع ذلك يأبى ألاّ ان «يقعد اعوج ويحكي اعوج» مستخفّاً بعقول اللبنانيين من جهة، ومعتمداً على ذاكرتهم الضعيفة من جهة اخرى، ومرتاح اكثر الى دعم عقول مسكّرة، لا تستوعب ولا تناقش ولا تترك غيرها يحلل ويناقش ويوضح.
هذا الفريق، بشّر اللبنانيين عند تشكيل هذه الحكومة، انه بعد اقصاء قوى 14 آذار والتفرّد في الحكم، سوف «يشيل الزير من البير» ويجترح العجائب، ويفعل ما عجز عن فعله الاوائل، ومع ذلك، ومع اقترابنا من ذكرى السنة لقيام حكومة العجب العجاب، نرى ان الامور تسير بسلاسة، وهدوء، ونسبة معقولة من النجاح عند بعض وزراء الوسط، اما عند وزراء 8 آذار فراوح مكانك عند بعضهم، والى الوراء سرّ عند البعض، ولم يبق عند المواطنين من البشارة، سوى ذكريات غير سارّة يتندّرون بها سرّاً وعلناً وعلى هواء كل اعلام.
وحتى لا نغوص كثيراً في فوضى هذا الفريق وهو يمارس هواية الحكم، لا بدّ من التوقف عند قضية واحدة، تستأثر هذه الايام باهتمام المواطنين، بعدما «زهقوا» من موضوع تصحيح الاجور ومرسوم النقل، وبواخر الكهرباء، والهاتف الخليوي المعوّق، وانتصار الغلاء والبرد على المواطنين، وهي كيف يمكن معالجة مخالفة الانفاق من خارج الموازنة، وخصوصاً في الحكومات التي ترأسها فؤاد السنيورة وسعد الحريري ونجيب ميقاتي، واذا «وسّعنا بيكار» الدائرة، فسوف نعود الى حكومات عمر كرامي ورشيد الصلح والشهيد رفيق الحريري، وسليم الحص، ويفترض حسب «الف باء» علم المحاسبة ان تكون الاموال التي انفقت من خارج الموازنات، مدوّنة ومفصّلة في وزارة المالية، ومحددة التنسيب والجهة او الادارة او الوزارة التي استفادت من هذه الاموال، وبالتالي فان الدوائر المعنية في وزارة المالية هي المخوّلة وضع الجداول، والاضاءة على هذه الاموال، وهل ذهبت الى المكان الصحيح الذي انفقت من اجله، او انها «زوربت» الى مكان آخر، او «جيوب» المستفيدين من تعب اللبنانيين وعرقهم ومالهم، واذا كانت وزارة المال عاجزة لاي سبب من الاسباب، فإمّا ان تشكل لجنة من الخبراء الماليين الموصوفين بالنزاهة، او نلجأ الى مكتب عالمي مهمته القيام بمثل هذه المهمات المستحيلة.
* * * *
مقابل هذه الرزمة من الحلول التي يفترض ان توصل الى معرفة مصير الاموال المنفقة من خارج الموازنات التي تم تعطيلها سنة بعد سنة بعد سنة، من فريق 8 آذار بالذات، لا نسمع من الفريق المعطّل، سوى «النقّ» والاتهام والشتائم، واطلاق الكلام في الهواء دون تقديم اي مقترح عملي، ودون اللجوء الى تبرير عملي يسرّع كشف هذا السر الغامض، ويحول دون اعتماد هذه المخالفة مستقبلاً.
من اجل مصلحة الدولة والشعب كان يمكن مثلاً الموافقة على الموازنات التي قدّمت تباعاً، مع التحفّظ عن الاموال المنفقة من خارج الموازنة، وهذا لم يحصل.
وكان يمكن عند تشكيل هذه الحكومة الاحادية الهوى ان يلزم وزير المال محمد الصفدي بتقديم حساب بهذه الاموال التي «تكربج» الدولة والحكومة والناس، وهذا ايضاً لم يحصل، امّا ان تقوم الآن، الاكثرية الحكومية المعطّلة، وتحمل مجدداً قميص عثمان المالي، وتكيل لفؤاد السنيورة وقوى 14 آذار الاتهامات والشتائم والنعوت، وهي سبق لها وقبرت الشيخ زنكي معه، فهذا تصرّف لا علاقة له لا بالسياسة ولا بالوطنية ولا بالمنطق، خصوصاً عندما يقول زعماء هذا الفريق، ان السنيورة ومن يدعمه هربوا من جلسة الامس، لانهم هربوا من المحاسبة ولم يقدّموا ما هو مطلوب منهم.
للوهلة الاولى ظننت ان الصفدي استقال من الوزارة، وتم تعيين السنيورة مكانه، والسنيورة هرب ولم يقدّم البيانات الضرورية التي تبرّئ الحكومات المتعاقبة.
يا جماعة.. «ما لكم ومال» السنيورة، ما دام محمد الصفدي وزيراً للمالية، اطلبوا منه البيانات وليس من السنيورة، وهذه فرصتكم الذهبية، التي طالما حلمتم بها لادانة السنيورة، ومن معه بتهمة الفساد وتبديد المال العام، الاّ اذا كنتم تعرفون جيداً ان ما تدّعونه غير صحيح، وستنكشفون امام الرأي العام، ولذلك تلجأون الى السبيل الشعبوي الاسهل، «النق» و«الشتم» والاتهام والاعتماد على الذاكرة الضعيفة، او اللاذاكرة مع الأسف عند فريق من اللبنانيين.
الحكومة بأيديكم، ووزارة المال حليفتكم، فماذا تنتظرون لتفقأوا هذا الدّمل، وتريحوا الناس، لأن الناس يريدون حقاً محاسبة من هدر اموالهم وهم جياع.
