كتب معروف الداعوق في صحيفة "اللواء":
يبدو أن محاولة فصل قوننة مسألة صرف مبالغ 11 مليار دولار أميركي من خارج الموازنة من قبل حكومتي الرئيس فؤاد السنيورة السابقتين عن اقتراح صرف مبلغ 8900 مليار ليرة للحكومة الميقاتية المدعومة بالكامل من قبل تحالف "حزب الله" والنظام السوري، بالرغم من تشابه المسألتين دستورياً وقانونياً وضمن سيناريو معدّ بإتقان، لتمرير الاقتراح الثاني، وإبقاء المسألة الأولى معلّقة عن قصد لاستغلالها في الصراع السياسي الدائر وتصويرها وكأنها تتضمن ارتكابات مالية واستباحة المال العام وصرفه في غير الأماكن المحددة له لتشويه صورة المعارضة لدى الرأي العام وللتغطية على ارتكابات وفضائح العديد من وزراء الحكومة الحالية وواقع الخلافات السياسية المستعصي بين أطرافها، لم تنجح على الإطلاق وباءت بالفشل الذريع بعد أن تبيّن عدم صدقية الذرائع والمبررات المطروحة للفصل بين المسألتين، إن كان من قبل رئيس المجلس النيابي نبيه بري أو من قبل تكتل التيار العوني وحلفائه من "حزب الله" على وجه الخصوص، ولتعذّر تأمين أغلبية نيابية لتأمين تمرير الفصل بين المسألتين، وانقلبت اللعبة على اللاعبين وأصبحت هذه المشكلة تشكل عبئاً على مفتعليها، بعدما نجحت المعارضة في أخذ المبادرة لعدم توفير النصاب القانوني المطلوب لتأمين انعقاد جلسة المجلس النيابي المخصصة لمناقشة وإقرار قوننة اقتراح الحكومة وإبقاء مسألة صرف مبلغ 11 مليار دولار معلّقة.
واذا كان البعض في الاكثرية الحالية يهمس بأن موافقة معظم اركان الاكثرية على السير باقتراح فصل قوننة مبلغ 11 مليار دولار على اقتراح صرف مبلغ 8900 مليار ليرة على الشكل الحاصل في المجلس النيابي، لارضاء رئيس تكتل التغيير والاصلاح النائب ميشال عون وضمن اطار الصفقة السياسية التي تمت بينه وبين اطراف السلطة لاقصاء الوزير شربل نحاس وتعيين بديل عنه ولاعطائه نصراً سياسياً ومعنوياً للتعويض عن خسارته في التبديل الوزاري وتمكينه من ترميم قاعدته الشعبية على الاقل، فإن تعثر إقرار هذا الاقتراح في المجلس النيابي على النحو الذي حصل، وتحول هذه الصفقة المقترحة الى مأزق، مع استمرار إنضواء الاكثرية تحت راية تشبت النائب عون بوجهة نظره وانغلاقه على المخارج المطروحة من قبل المعارضة، سيدخل البلاد في ازمة سياسية معقدة، تزيد من حدة التفاعلات السياسية التي تعصف بالحكومة الحالية من كل جانب، وتدخل البلاد في مرحلة اكثر حدة من التجاذب السياسي الحالي المترتب أساساً من عدم انسجام اطراف الحكومة فيما بينهم وهشاشة التركيبة الحكومية التي لم تفلح في القيام بالحد الادنى من الموجبات والمتطلبات اللازمة للمواطنين وتسيير امور الدولة الضرورية.
وفي انتظار ما ستسفر عنه الاتصالات الجارية حتى موعد انعقاد الجلسة التشريعية المقبلة في الخامس عشر من الشهر الجاري، تتريث القوى السياسية في إعطاء انطباعها عمّا يمكن أن تحمله المرحلة المقبلة من تطورات، وعما إذا كان انغلاق تحالف قوى الثامن من آذار الذي يضع النائب عون في الواجهة، على الاقتراحات والمخارج المطروحة من قبل المعارضة لقوننة مسألة صرف مبلغ 11 مليار دولار، متعمداً عن سابق قصد وإصرار، لادخال البلاد في أزمة سياسية وفوضى تخدم النظام السوري الذي يتعمد من وقت لآخر، بتوجيه الانتقادات لكبار المسؤولين وإرسال رسائل التهديد والوعيد، لحثهم على مجاراة سياساته والقيام بما يلزم من اجراءات سرية وعلنية ضد معارضيه اللبنانيين والسوريين على حد سواء، وللتضييق على المقيمين السوريين في الداخل اللبناني والانصياع لرغباته في تقديم الدعم المطلوب له، لتجاوز مؤثرات الحصار العربي والدولي المفروض عليه، أو لاظهار استمرار امساكه بالورقة اللبنانية والتحكم بمصير لبنان أمام المجتمع الدولي الذي يضيق الخناق عليه تباعاً، والمكابرة أمام العرب بأنه نظام متماسك لا يزال قادراً على التأثير في الواقع السياسي اللبناني خلافاً لما هو عليه اليوم.
ولكن، يبقى ان ما حصل في المجلس النيابي، إنما يؤشر لواقع خلافي أبعد من مشكلة قوننة مبلغ 11 مليار دولار، ليصل إلى المشكلة الاساس وهي الانقسام السياسي الحاد بين مختلف مكونات الجسم السياسي، ويؤشر ايضاً إلى هشاشة التركيبة السلطوية والحكومية التي إنبثقت بفعل استقواء تحالف الثامن من آذار بسلاح حزب الله وترهيب النظام السوري، وليس بفعل العملية السياسية الديمقراطية الطبيعية المنبثقة عن الانتخابات النيابية، واستحالة استمرارها على النحو السائد حالياً وخلافاً لتوجهات ورغبات معظم اللبنانيين، ولانتفاء الاسباب وموازين القوى السياسية التي فرضتها فرضاً مع تزايد انعكاسات الانتفاضة الشعبية الواسعة في سوريا وتقلص سلطة النظام السوري على الواقع اللبناني ككل وعلى الواقع السياسي تحديداً، وسعي العديد من الاطراف اللبنانيين لاعادة التموضع واستيلاء تحالفات سياسية تتماشى مع التغييرات في سوريا والمنطقة على حدٍّ سواء.