#dfp #adsense

بين البطريرك والشيخ

حجم الخط

"انتظرناها من الشرق فجاءت من الغرب"… انتظرناها من الشيخ أحمد الأسير فجاءت من غبطة البطريرك بشارة الراعي، كنّا نتوقّع ان يصعّدها الشيخ الأسير، فجاء خطابه في ساحة الحرية عقلانياً هادئاً وطنياً، متوجهاً الى المسيحيين بكلام مطمئن لم يسمعوه قبلاً من أيّ شخصية سواه.

فكم كان موفقاً عندما خاطب المسيحيين بقوله: لستم انتم من يطلب الحماية منّا، فنحن الذين نطلب الحماية منكم (…).

وفي المقابل كنّا نتوقع من غبطة البطريرك مار بشارة بطرس الراعي ان يكون تعليقه على الربيع العربي هادئاً متسماً بدعم الشعوب التي تسعى الى الحرية والكرامة والانتخابات النزيهة… فإذا به يحمل على هذا الربيع ويصفه بالشتاء الدامي، ويثير مجدّداً عقدة الخوف الوهمي عند المسيحيين.

والسؤال الذي ينبثق من كلام غبطته ويوّجه اليه مباشرة هو: اين هو الربيع الدموي يا سيّدنا إلا في ليبيا سابقاً وفي سوريا سابقاً وحالياً!. اين الربيع الدموي إلا عند النظام الذي يظهر غبطته الغيرة عليه؟

ثم لماذا تخويف المسيحيين؟!. فعلى امتداد حكم الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، وحتى منذ النظام الملكي كان المسيحيون يعيشيون، كما يجب ان يعيشوا، بأمان واطمئنان الى ان جاء الحكم المدعوم من ايران، فإنقلب الوضع وتعرّض المسيحيون حقيقةً الى اضطهاد فقتل منهم كثيرون وهجّر معظمهم الى خارج البلاد. فهل من ربيع عربي في العراق؟

وبينما استقر الربيع العربي، او اخذ سبيله نحو الإستقرار في تونس ومصر واليمن، ها هو النظام في دمشق الذي يتعاطف معه غبطة البطريرك الراعي يغرق سوريا في حمّامات الدم مدناً وبلدات وقرى ودساكر واريافاً فيزهق ارواح نحو عشرة آلاف ضحية من الشعب الأعزل، واكثر من مئة الف معتقل ومفقود، ويوقع في الشهر الاخير وحده 160 طفلاً قتيلاً و150 امرأة قتيلة، وهو ما لم يسبقه اليه اي نظام دموي آخر في العالم.

قد نتفق او قد نختلف مع الشيخ أحمد الأسير في هذا الموقف او في ذاك ولكننا لا نستطيع إلا ان نسلم انه ظهر، في ساحة الشهداء، بمظهر المسلم الحقيقي الحريص على الناس أجمعين وهو ملتزم بحق الشعب السوري في تحقيق اهداف ثورته.

وقد يكون ملائماً ان نذكّر، هنا، بجواب الرئيس الراحل المرحوم سليمان فرنجية عندما سأله وزير خارجية الولايات المتحدة الاميركية الاسبق هنري كيسنجر عمن يرى ان يكون قيّماً على الاماكن المقدسة في القدس الشريف المحتل فأجاب بسرعة: المسلمون. ولمّا استغرب كيسنجر الجواب، استطرد فرنجية شارحاً: الأديان السماوية ثلاثة هي تباعاً: اليهودية والمسيحية والإسلام. اليهودية لا تعترف بالمسيحية وبالإسلام، المسيحية تعترف باليهودية ولا تعترف بالإسلام، وحده الإسلام يعترف بالديانتين المسيحية واليهودية واصفاً اتباعهما بـ"أهل الكتاب".

فهو، اي الإسلام، الأولى بأن يتولى الإشراف على الأماكن المقدسة في فلسطين المحتلّة.

ألا رحم الله سليمان فرنجية، وسائر كبارنا الذين رحلوا عن هذه الدنيا. وليت الاحياء يقتدون بهم.

المصدر:
الشرق

خبر عاجل