كتبت كلير شكر في صحيفة "السفير": مع انضمام سليم جريصاتي إلى الحكومة الميقاتية خلفاً لشربل نحاس، أجلس آخر حاملي لقب «المعالي» في أقصى طرف طاولة مجلس الوزراء، لكونه الأجد بين «زملائه» في المشاركة في صياغة قرارات السلطة التنفيذية. سيجاور حكماً فيصل كرامي ومروان خير الدين الذي كان يحتل، قبل قدوم جريصاتي، الكرسي الوزاري الأخير، لكون مرسوم تعيينه جاء متأخراً عن بقية الوزراء بفعل استقالة «المير» طلال ارسلان.
يترك الوزير الشاب، وإن لم يكن أصغر رفاقه، لنفسه هامشاً واسعاً من الحركة بين مكونات حكومة نجيب ميقاتي. يرفض سياسة «الصوت المعلّب». في القضايا الحياتية، يصوّت ويناقش انطلاقاً من نظرة حزبه (الديموقراطي اللبناني»)، لا حلفائه. لكن في حالة التصويت السياسي، يصوت إلى جانب «تكتل التغيير والإصلاح». لا يشارك كوزير في اجتماعات الرابية، وإن كان للحزب من يمثله في هذه اللقاءات، لكنه يزور «الجنرال» بشكل دوري، ويحرص على التنسيق مع وزراء «التكتل».
يدافع خير الدين عن الحكومة قائلا لـ«السفير»:«علّتها في الظروف المحيطة بلبنان، واتهامها بأنها حكومة اللون الواحد أو حكومة «حزب الله» هو اتهام مغرض واستخفاف بالعقول. صحيح أنها حكومة غير متفقة حول الكثير من الملفات، وأي مسألة تناقش فيها يجب أن تقر بالتراضي ولا يمكن أن تحصل بالفرض».
وبرغم ذلك، فإن «التباين ينفع ولا يضر». إذ استفاد اللبنانيون من تأخير إقرار خطة الكهرباء، بعدما أشبعت درساً ونقاشاً، كما يرى وزير الدولة مشيرا إلى أن الحكومة منتجة لكن أكثر القرارات أهمية لن تعطي نتيجة إلا بعد فترة زمنية، لا سيما أنها تقوم بإصلاح خلل بنيوي في تركيبة الاقتصاد وقطاعاته الانتاجية. «أما على صعيد القرارات العادية، فإن مجلس الوزراء اتخذ أكثر من 1500 قرار. وفي ما يخص التعيينات فقد تم الاتفاق على اعتماد آلية التعيينات، وتم التأكيد على هذا الموضوع خلال الأزمة التي مر بها مجلس الوزراء، ويفترض أن تباشر الحكومة هذه المهمة قريبا».
يعتبر خير الدين أن مجلس الوزراء، إن لم يكن يمثّل كل الأفرقاء اللبنانين مباشرة، فإن التمثيل غير المباشر لكل الأفرقاء محترم، أقلّه بوجود رئيس الجمهورية ميشال سليمان «الذي يعتبر رئيساً وسطياً ويمثل كل اللبنانيين».
يتوقف وزير الدولة عند ما يعتقد أنها «صفحة جديدة» قد فتحت بين الثلاثي نبيه بري ونجيب ميقاتي وميشال عون، ويقول «امتناع أي وزير، عن التوقيع على قرار صادر عن مجلس الوزراء، بمعزل عن قانونيته، هو سابقة خطيرة جداً، فالوزير لا يتحمل قانونية القرار أو عدمها إذا كان يطبق قراراً صادرا عن مجلس الوزراء، لأنّ باستطاعة أي وزير تعطيل مجلس الوزراء مجتمعاً… وهذه النتيجة لم ترد في دستور «الطائف» الذي نحرص على تطبيقه. ولهذا اتفق الثلاثة على توقيع مرسوم النقل». في المحصلة، يتوقع خير الدين من الحكومة انتاجية غير مسبوقة، بعدما اتفق الثلاثة على تفعيل عملها.
كان يُفضل أن لا تُكتب خاتمة تجربة صديقه شربل نحاس الوزارية بحبر الاستقالة «لما يمثل من طاقة فكرية استثنائية، وقيمة مضافة للحكومة»، لكن في المقابل، يرفض تهميش مؤسسة مجلس الوزراء، من جانب أي وزير. أما تعيين سليم جريصاتي «ففيه أيضاً إغناء لمجلس الوزراء لخبرته ومناقبيته».
أسقطت الجلسة التشريعية الأولى التي حددت مهمتها بقوننة بدل النقل، بـ«ضربة» ربط ملفيّ طلب الحكومة اقتراض 8900 مليار وصرف الـ11 مليار دولار من جانب حكومات فؤاد السنيورة وسعد الحريري. يشرح خير الدين «الرئيس نبيه بري دفع بخيار تأجيل الجلسة التشريعية في المرة الأولى لتجنّب إحداث شرخ كبير، وهذا مرتبط بشكل مباشر بمشروع قانون الاقتراض وبملف الـ11مليار دولار التي تمّ صرفها بشكل غير مكتمل قانوناً».
وعملاً بمبدأ الربط السياسي بين مليارات نجيب ميقاتي ومليارات فؤاد السنيورة، «علّق» وليد جنبلاط الجلسة التشريعية الثانية، أمس الأول، ما اضطر نبيه بري إلى تأجيل الجلسة إلى 15 الجاري. بتقدير خير الدين فإن إدراج الملف بنداً أول على جدول أعمال الجلسة المقبلة، هو تأكيد من جانب رئيس المجلس للسير بهذا المشروع، الذي لا يفترض ربطه بملف الـ11 مليار دولار، إذ لكل منهما ظروفه وحيثياته القانونية. فإصرار قوى الرابع عشر من آذار على ربطهما هو نوع من الابتزاز السياسي غير الجائز.
وإذ لمّح إلى أن حل هذه المعضلة، يكون دوماً على الطريقة اللبناينة، خارج المؤسسات الدستورية، اعتبر أن التأجيل غير البعيد زمنياً للجلسة هو مؤشر جديّ على وجود فرصة للحلحلة، حيث لا بدّ من حلّ الاشكالتين، علماً بأنه حتى لو شرّع البرلمان الصرف الذي أقدمت عليه حكومتا السنيورة من خارج الموازنة، فهذا لا يعفيهما من المسؤولية، ولا يعني أبداً تشريعاً للهدر إذا ما تأكد حصوله، لأنه لا بدّ لديوان المحاسبة من أن يقوم بدوره كاملاً.
في مطلق الأحوال لا يجوز بنظر خير الدين، ربط المسألتين ببعضهما البعض، لأن «أي صرف قامت به الحكومات السابقة يجب أن يكون واضحاً، فيما طلب الحكومة الحالية قانونيّ. وبما أن هناك اتهاماً بوجود اختلاس، فالأجدى بالفريق المتهم تقديم كشف حساب واضح وصريح للبنانيين. أما إذا كان هناك أمر يفترض أن يبقى سرياً، فهذا أمر غير مشجع ولا يكون من ضمن العمل الحكومي الشفاف، على الرغم من أنني أعتقد أنه معلوم جيداً أين صرفت كل ليرة من الـ11 مليار دولار، فجداول هذا الصرف موجودة إما في وزارة المالية أو في رئاسة مجلس الوزراء، ويجب تحضير جدول واضح لنشره… لكن أشك بوجود سرقة».
بعد الاختبارين النيابيين، يجزم خير الدين أنّ الأكثرية النيابية لا تزال قادرة على الحفاظ على تماسكها لا سيما في القضايا الأساسية، مؤكداً أنّ كل مشروع يتم الاتفاق عليه في مجلس الوزراء من دون أن يتحفظ عنه أي فريق حكوميّ، تتأمن له الأكثرية في مجلس النواب. لكن في حال اللجوء إلى التصويت في مجلس الوزراء، وتالياً اعتراض أحد الأطراف الحكوميين على مشروع ما، عندها يصبح التعطيل ممكناً. على سبيل المثال يمكن لـ«الحزب الديموقراطي» أن يعطل أي مشروع قانون في مجلس النواب، وهو القوة الحزبية الأصغر تمثيلاً، في حال اعترض عليها في مجلس الوزراء. وبالتالي يصبح التوافق ضروريا.
بالانتقال إلى «البيت الدرزي» الذي يهتز على وقع الطبول التي يقرعها وليد جنبلاط بفعل رؤيته الحادة للحراك السوري، تتوسع بقعة الخلاف، بسبب تناقض المقاربات السورية. بنظر الوزير الارسلاني «لا ضرورة للتدخل بشأن لا يعنينا، نحن في لبنان لبنانيون، وفي سوريا سوريون. نحن أنتجنا بطل الاستقلال الأمير مجيد ارسلان وهم أنتجوا سلطان باشا الأطرش. وهذه الأمة ليست بحاجة إلى نصيحة من أي كان، هم أولياء أنفسهم ولديهم الوعي الكافي ليأخذوا القرار الذي يحمي مصالحهم. تدخّل اللبنانيين السلبي أو الإيجابي لن يغيّر شيئاً. السوريون مواطنون مستقلون وغير تابعين لأي زعامة في لبنان».
يضيف: «الشارع الدرزي على موقفه قبل كلام جنبلاط وبعده. لكل حساباته، فإن أصاب يقطف وإن لم يصب يخسر. لا مصلحة لنا بالتدخل في ما يحصل في سوريا. ولن يكون هناك أي توتر بين الدروز في لبنان، برغم القراءات المختلفة، إنما ثمة توافق مع «وليد بك» على كل الملفات الداخلية».
من هنا أهمية سياسة النأي بالنفس، علماً بأن «جبهة النضال الوطني» شريكة بالحكومة التي قررت النأي بنفسها عن أحداث سوريا. و«ما دام هناك اتفاق على تحييد لبنان، فستبقى الأمور ممسوكة، لأنه لا مصلحة لجنبلاط بقلب الطاولة، بوجه شركائه» يقول خير الدين.