كتبت مارلين خليفة في صحيفة "السفير": لن يكون خبر تولي السفير الفرنسي في لبنان دوني بييتون منصبه الجديد في الـ«كيه دورسيه» مديراً لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ومغادرته لبنان في نهاية نيسان المقبل ذا وقع عادي لدى اللبنانيين الذين خبروه سفيرا متميزا في بلادهم منذ توليه مهامه الرسمية في العام ٢٠٠٩.
نجح بييتون الذي سيخلفه السفير باتريس باولي، في ترك بصماته، فعدا كونه أثبت مرة جديدة أنه دبلوماسي متمرس وعريق يجمع في شخصيته بين الدماثة والصلابة، فقد استطاع أن يجتاز حقل ألغام الوسط السياسي اللبناني الصاخب بتناقضاته وألوانه وأرقامه.
عاش بييتون في بداية مهمته تجربة شخصية قاسية بفقدانه شريكة حياته «مارلا» بعد أقل من شهرين على توليه مسؤولياته، وذلك في حادثة سقوط الطائرة الاثيوبية التي راح ضحيتها زهاء التسعين إنسانا. تابع مسيرته ولم تزعزع المصيبة إرادته وإيمانه ولو ان جرحه كان عميقا.
نجح بييتون في الفصل بين حياته الشخصية ومسؤولياته سفيراً لبلاده. واذا كان معروفا عنه قبل مجيئه الى لبنان أنه يحب البلد الذي يخدم فيه، فإنه أقام علاقات على امتداد لبنان من أقصى الشمال الى أقصى الجنوب. زار طرابلس وتفقد معالمها واطلع على الإنماء فيها ومر في البترون وجبيل وكسروان وبيروت وصيدا وصور وبعلبك. شارك اللبنانيين أفراحهم وعاداتهم فرقص الدبكة شابكا يديه بأيدي الجنوبيين وتذوق سهرات بيروت المخملية ولم يتردد في دعم أي نشاط إنمائي أو ثقافي اينما وجد.
نال بييتون إعجاب اللبنانيين بتحدثه اللغة العربية وإجادتها خطيبا على المنابر، وبتفاعله مع شؤونهم اليومية: لم يتردد في الترجل من السيارة ليمشي وسط الشارع في جونيه بسبب عجقة السير ثم راح يطالب المسؤولين بإيجاد حل لهذه المعضلة التي تصعب على اللبنانيين حياتهم اليومية.
حرص بييتون دوماً على التعبير عن موقف بلاده أفضل تعبير مدافعا عن وجهة نظرها من القضايا كلها. شبك علاقات مع جميع الاطراف السياسيين اللبنانيين من دون استثناء.
يذكر الجميع زيارته لأهالي المفقودين اللبنانيين في السجون السورية ومواساته العميقة للأمهات اللواتي يعتصمن في وسط بيروت واللواتي يبكين أبناء لا يعرفن مصيرهم.
فتح قصر الصنوبر أمام الناس وهو منزله الخاص كسفير فلم تغب عنه الأضواء يوماً، مستضيفاً الاحتفالات الثقافية والاجتماعية، كما دعا شخصيات فرنسية مهمة للالتقاء بالجمهور اللبناني منها بوريس سيرولنيك ولوران فابيوس وسواهما، فتح أبواب القصر ايضا أمام احتفالات الجمعيات الاهلية الخيرية، ونافس اللبنانيين بحسن الضيافة والذوق الرفيع في فنون المائدة هو الذي يهوى ايضا صناعة المأكولات.
يتعاطف السفير الذي خدم في القدس قنصلا عاما لبلاده، مع قضية الشعب الفلسطيني ومواقفه ليست خجولة وإن كانت كلها منضبطة تحت سقف الموقف الرسمي لبلاده. وقد تجلت في استضافته، في قصر الصنوبر، بعض مؤسسات العمل الاجتماعي الفلسطينية في لبنان ومساعدتها حيث استطاع، تعبيراً عن تقديره لهذا الشعب المضطهد حيثما وجد.
السفير بييتون ذو الباع الطويل في العمل الدبلوماسي الذي صقلته تجاربه المهنية والانسانية سيغادر لبنان الى موقع لن يكون بعيدا عنه، لان منصبه الجديد سيتيح له متابعة ملفات البلدان من المغرب الى ايران، وستكون له حتما بصمات جديدة في قضايانا لكنها هذه المرة من باريس.