#adsense

الأربعاء الثّالث من الصّوم الكبير

حجم الخط

الأربعاء الثّالث من الصّوم الكبير

 

قراءَّةٌ منَ القدِّيسِ يوحنَّا فمِ الذَّهب (+407) أَلصَّومُ الحقيقيّ (العظة 47)

إَنَّ منَ الواجبِ عليننا أَن نعرفَ مقاصِدَ أَصوامِنا، فلا نكونَ كٱلتَّائهينَ في البَحر، يتوَهَّمونَ أَنَّهم إِلى المدينةِ قاصدون، وهُم في مُتَّجَهٍ آخرَ هائمون. فإِنْ قلتَ:ما الصَّومُ في الحقيقَة، أَهوَ غيرُ امتناعِ عنِ الطَّعامِ وقتًا مَحدُودًا؟ قلتُ: أَلصَّومُ هو الإِمساكُ عنْ جميعِ الرَّذائلِ والتَّمَسُّكُ بجميعِ الفَضائِل، بمنعِ النَّفسِ عنِ اللَّذَّاتِ البدنيَّةِ كٱلأَطعمةِ والأَشربةِ وسواها. وعلى ذٰلكَ قولُ اللهِ لبني إِسرائيل، إِذ كانوا يظنُّونَ أَنَّ الصَّومَ هو امتناعُ عنِ الطَّعامِ حتَّى اللَّيلِ فقط، ثمَّ يُقبلُونَ على الطَّعامِ يأْكلونَ ويشربون. فيُبكِّتَهُمُ اللهُ قائلًا: ها سبعونَ سنةً مرَّت، أَلعلَّكُم صُمتُم لي فيها صومًا، يا إِسرائيل، وإِن أَكلتُم وشربتُم، أَفليستُم أَنتم تأْكلونَ وتشربون؟

ليسَ الصَّومُ أَن يضعَ الإِنسانُ نفسَهُ ويَحنِيَ عُنُقَهُ ويفترِشَ لهُ مِسحًا ورمادًا، بلْ أَن تَحُلَّ أَغلالَ الإِثم، وتقطَعَ رُبُطَ الضُّلم، وتُجانِبَ المَكرَ والغِشّ، وتُعتِقَ المُستعبَدِين، وتَكسِرَ خُبزَكَ للجائِع، وتُؤْوِيَ الغريبَ إِلى بيتِكَ، وتُنصِفَ الأَيتامَ والأَرامِل، ولا تتغاضى عنْ لحمِكَ ودمِكَ. فإِن تفعلْ ذٰلِكَ، فيُشرِقُ نُورُكَ في الظُّلمَةِ، ويظهَرُ برُّكَ سريعًا، وينفجِرُ ضياؤُكَ مثلَ الصُّبح، وتَجمَعُ كرامَةُ الرَّبِّ شَمْلَكَ، ويُدَبِّرُكَ اللهُ تدبيرًا صالحًا، وتشبعُ نفسُكَ منَ الخِصب، وتصيرُ كٱلبستانِ الَّذي تموجُ أَغصانُهُ نضرَةً، وكينبوعِ الماءِ الَّذي لا ينقطع. وتَبني من خيراتِكَ الخِرَبَ الَّتي خَرِبتْ منذُ القديم، وتُقيمُ الأَساسَ الَّذي سقطَ منْ أَوائلِ الزَّمان.

فإِذا كانَ هٰذا قولُ اللهِ لأُلٰئكَ الَّذينَ مواعيدُهُم جسدِيَّة، فما عساهُ يقولُ لنا؟ وإِذا كان لم ينظُر إِلى أَصوامهِم سحابةَ سبعينَ سنةً لخُلُوِّها منْ هٰذهِ الفضائل، فكيفَ يُبالي بأَصوامِنا؟ وإِلى مثلِ هٰذهِ أَشارَ ربُّنا، قال: إِنَّ الصَّومَ معَ الصَّلاةِ يُخرجُ الشَّيطان. فسبيلُنا أَن ننهضَ من غفلتِنا ونُحافظَ على الأَصوامِ المَرضيَّةِ لإِلٰهِنا، لنفوزَ بنعيمِ ملكوتِه، الَّذي لهُ المجدُ إِلى الأَبد. آمين.

الرسالة: غل 2: 1-7
مجمع أورشليم

1 ثمّ بعدَ أربعَ عشرةَ سنة، صعدتُ من جديد إلى أورشليمَ معَ برنابا، وأخذتُ معي طيطسَ أيضًا.

2 وكانَ صعودي إليها بوحي. وعرضتُ على ٱنفرادٍ أمامَ أعيانِ الكنيسةِ الإنجيلَ الَّذي أكرزُ بهِ بينَ الأمم، لئلّا أسعى أو أكونَ قد سعيتُ باطلًا!

3 وإنَّ طيطسَ نفسهُ الَّذي كانَ معي، وهو يونانيّ، لم يُلزمْ بٱلختانة،

4 برغمِ الإخوةِ الكذّابينَ الدّخلاء، الَّذينَ ٱندسُّوا خلسةً لكي يتجسَّسوا حرّيتنا، الَّتي نحنُ عليها في المسيحِ يسوع، حتَّى يستعبدونا.

5 فما ٱستسلمنا ولا خضعنا لهم ولا ساعة، لكي تدومَ لكم حقيقةُ الإنجيل.

6 أمّا الَّذينَ يعتبرونَ منَ الأعيان، ومهما كانوا قبلًا فلا يعنيني، لأنّ الله لا يُحابي وجوهَ النّاس!، فإنّهم لم يفرضوا عليّ شيئًا،

7 بلِ بٱلعكسِ رأوا أنّي ٱئتُمنتُ على تبشيرِ غيرِ المختونين، كما ٱئتُمنَ بطرسُ على تبشيرِ المختونين.

شرح آيات الرّسالة:

1 رسل 15/2؛ 4/36؛ 11/30؛ 2 قور 2/13.

بعد أربع عشرة سنة: يربط بولس صعوده هٰذا إلى مجمع الرّسل، المنعقد في أورشليم سنة 49، بحدث ٱهتدائه إلى المسيح، كما يربط صعوده الأوّل، راجع شرح 1/18. فيكون تاريخ ٱهتدائه سنة 36 تقريبًا. بينما يربطه شُرّاح بزيارته الأولى إلى أورشليم بعد ٱهتدائه، فتكون من ثمّ سنة 36 تاريخ زيارته الأولى، وتاريخ ٱهتدائه قبل ثلاث سنوات أي سنة 34. ويُجمع الشُّرّاح على أنّ هٰذه الزّيارة هي تلك المذكورة في رسل 15، للاشتراك في مجمع الرّسل. راجع شرح رسل 15/1-35.

2 1 قور 15/11؛ غل 4/11؛ فل 2/16.

بوحي: قد يكون إلهام من الرّوح القدس ٱضطَرَّ بولسَ أن يصعد إلى أورشليم ليُطلع الرّسل على الإنجيل الّذي كان يبشّر به، لا لأنّه غير مُتيقّن من صحّة إنجيله، بل لأنّه يرى أن الشّركة بين جميع الكنائس الّتي أسّسها والكنيسة الأمّ في أورشليم كانت أمرًا ضروريًّا، لئلّا يكون تبشيره باطلًا! وقد تكون الكنيسة في أنطاكية هي الّتي قرّرت فٱضطَرَّته أن يصعد إلى أورشليم (رسل 15/2).

عرضت ترجمة أخرى "أطلعتهم" ورد هٰذا الفعل في العهد الجديد مرّتين هنا وفي رسل 25/14، ويعني عرض قضيَّة ما، طلبًا لمشورة ومساعدة في إيجاد حلّ لها. يعبّر بولس عن قَلَقه في الحاضر والماضي معًا: "لئلّا أسعى أو أكون قد سعيت باطلًا" (2/2؛ 4/11). لا يشكّ بولس إطلاقًا في أصالة إنجيله، بل يخاف أن يسيء فهمَ إنجيله الرّسلُ السّابقون، فيرفضون ٱعتبار الكنائس، الّتي أسّسها، من صُلب الكنيسة الأمّ في أورشليم، وقد حرص بولس كلّ الحرص على وحدة الكنيسة في شقّيها اليهوديّ والوثنيّ. فالرّسل إذًا قبلوا طيطس الوثنيّ غير المختون (2/3-5)، وأقرُّوا رسميًّا برسالة بولس (2/6-10).

أعيان الكنيسة: ترجمة أخرى "ذوي اعتبار" حرفيًّا "الظّاهرين"، وتعني الكلمة في الأدب اليونانيّ النّاس المشهورين والمعتبَرين. ترد اللّفظة هنا أربع مرّات؛ في صورة غير محدّدة (2/2، 6ب)، ومحدّدة (المعتبَرين أنّهم شيء" (2/16)، "والمعتبَرين أنّهم أعمدة" (2/9)، وهم هنا "يعقوب وكيفا ويوحنا" (2/9)، بينا يرى شُرّاح أنّ هٰؤلاء الثّلاثة هم غير "المعتبَرين أنّهم شيء" وغير "المعتبَرين". وقد يعني بولسُ السّلطةَ الرّسوليّة الأولى في أورشليم، مع كلّ من يدّعي السّلطة من المتهوّدين (6/3).

3 طيطس: معاون الرّسول بولس (راجع شرح 2 قور 2/13؛ 8/23). كان حضوره المقصود في مجمع الرّسل، في رفقة بولس، شهادة صارخة في نجاح بولس بين الأمم، وتشديدًا على الحرّيّة المسيحيّة في عدم فرض شريعة الختانة على المهتدين من الأمم. أمّا طيموتاوس فقد ٱضطُرَّ بولس أن يختنه تسهيلًا لرّسالته في محيطه اليهوديّ (رسل 16/1-3). إذًا كان لبولس في هٰذا الموضوع مواقف عمليّة ليّنة ومختلفة (1 قور 9/19-21)، برغم إصراره على مبدأ الحرّيّة في صورة مطلقة.

4 رسل 15/1، 24؛ غل 1/7؛ 5/1، 13؛ فل 3/8-9؛ روم 6/15.

برغم الإخوة: حرفيًّا "أمّا بسبب الإخوة"، وتبقى الجملة كلّها بدون فعل ناقصة. لذٰلك حذفنا "أمّا"، فظهر ٱرتباط الآية 4 بالآية السّابقة، وٱستقام المعنى. لم يُختَن طيطس برغم إخوة كثيرين كانوا يفرضون الختانة اليهوديّة على الأمم المهتدين، وكأَنَّ الإيمان بٱلمسيح بلا ختانة غير كافٍ للخلاص! يدافع بولس عن مبدأ الحرّيّة المسيحيّة (4/7، 5/1)، الّتي نالها اليهودُ، وقد كانوا عبيدًا للشّريعة (4/1-5)، والأممُ، وقد كانوا عبيدًا لآلهة غريبة (4/9).

5 غل 2/14؛ 5/7.

فما ٱستسلمنا: حرفيًّا "فما ٱستسلمنا للخضوع لهم ساعة". وفي المخطوط الغربيّ الأصلي، وبعض المخطوطات الاتينيّة القديمة، وبعض الآباء اللّاتين "ٱستسلمنا" يُحذَف النّفي، وتضحي الآية 5 مرتبطة بالآية 4. ويصير النّصّ الكامل: "أمّا بسبب الإخوة … فٱستسلمنا للخضوع لهم ساعة"، ويكون المعنى معاكسًا للآية 3. ولٰكن يرجّح أنّ تكون القراءة السّهلة هٰذه تحريفًا للنّصّ اليونانيّ الأصليّ الوارد في معظم المخطوطات البرديّة والجلديّة القديمة. ويبقى المعنى أنّ بولس لم يساوم قطّ على حقيقة الإنجيل.

6 تث 10/17؛ روم 2/11؛ رسل 10/34.

لايحابي وجوه النّاس: حرفيًّا "لا يأخذ وجه إنسان"، أي إنّ الله لا يتّخذ قرارًا متأثّرًا بمظاهر النّاس أو بمناصبهم ومقاماتهم الرّفيعة. هٰكذا كان قرار بولس في شأن الختانة بالنّظر إلى المعتبَرين أنّهم أعمدة كنيسة أورشليم (2/9). كان همّه أن يحافظ على الوحدة والشّركة مع الرّسل من جهة، وعلى الحرّيّة المسيحيّة دون مساومة مع أيّ منصب أو سلطة في الكنيسة، من جهة أخرى.

7-8 بطرس: لم يرد ٱسم "بطرس"، في صورته اليونانيّة، سوى مرّتين تحت قلم بولس، في هاتين الآيتين، بينا ترد دومًا في صورته الآراميّة "كيفا" (1/18؛ 2/9، 11، 14؛ 1 قور 1/12؛ 3/23؛ 9/5؛ 15/5)، ومرّة واحدة في هٰذه الصّورة، في كتب العهد الجديد الباقية (يو 1/42). يُقرّ بولس بسلطة بطرس المميَّزة في الكنيسة، بشقيّها اليهوديّ واليونانيّ، ويُقرّ بعلاقته الوثيقة ببطرس وبٱستقلاله عنه في آن معًا.

7 غل 1/16؛ روم 1/5-6؛ 15/15-19؛ رسل 9/15؛ 15/3، 12؛ 22/21.

الإنجيل
متّى 17: 10-13
المعمدان هو إيليّا

10 فسألهُ التّلاميذ قائلين: "إذًا لماذا يقولُ الكتبةُ إنّهُ لا بُدَّ أن يأتيَ إيليّا أوّلًا؟.

11 فأجاب وقال: "أجَلْ، إنَّ إيليّا آتٍ، وسيُصلح كلّ شيء.

12 وأقول لكم: إنَّ إيليّا قد أتى، ولم يعرفوه، بل فعلوا به كلَّ ما شاؤوا. وكذٰلك ٱبن الإنسان مُزمعٌ أن يتألَّم على أيديهم.

13 فحينئذٍ فَهِمَ التّلاميذ أنّهُ حدّثهم عن يوحنّا المعمدان.

شرح آيات الإنجيل:

10-11 ملا 3/23-24؛ متّى 11/14؛ سي 48/10؛ لو 1/17.

إيليّا أوَّلًا: ٱسنتد علماء التّوراة إلى ملاخي 3/23، فعلّموا أنّ إيليّا سيعود، ويسبق المسيح الآتي ليُعدّ الشّعب للإيمان به. وتعجّب التّلاميذ، إذ رأوا إيليّا على جبل التّجلّي، دون أن يقوم بدوره، على ما قال ملاخي، فقال يسوع لهم: إنّ المعمدان قام بدور إِيليّا (17/12-13)، ولٰكنّ الشّعب رفضه: مصير واحد ينتظر يسوع وسابقه. كان على الكتبة أن يعُوا ذٰلك، ولٰكنّهم لم يفعلوا، ولذٰلك لا عذر لهم.

12 متّى 11/14.

14 متّى 11/10-14؛ لو 1/17.

للعلم والخبر، للأمانة والدّقة، نعلن ما يلي:

مرجع نصّيِ الرّسالة والإنجيل: (الكتاب المقدّس، العهد الجديد، التّرجمة اللّيتورجيّة، إعداد اللّجنة الكتابيّة، التّابعة للجنة الشّؤون اللّيتورجيّة البطريركيّة المارونيّة. طبعة ثانية منقّحة – 2007).

مرجع شرح آيات الرّسالة والإنجيل: (الكتاب المقدّس، العهد الجديد، كليّة اللّاهوت الحبريّة جامعة الرّوح القدس – الكسليك 1992).

نقله: فلّاح بكرم الرّبّ.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل