إن صح ما تسرّب بالامس عن ان المسؤولين في مكتب «رويترز» لم يتجاوبوا مع رغبة المعنيين بالإعلام في بكركي ورغبتهم في نشر توضيح يُفهم منه أن البطريرك لم يقل ما قاله عن ديموقراطية النظام الذي يقتل شعبه في سوريا وبأبشع الطرق الإجراميّة، وأنّ ردّ المسؤولين في الوكالة كان حاسماً: «عندنا معايير دقيقة للنشر والحديث مسجل».
المشهد أعاد اللبنانيين إلى المعمعة البطريركيّة الفرنسية والتبرير الذي ما زال اللبنانيون يذكرونه «الكلام مقتطع من سياقه»، «تمّ تحوير الكلام»، ولا يبدو أن الخطأ القديم تمّت الاستفادة منه، ولم يعد طرح السؤال مجدياً: «ما الحاجة الشديدة إلى إطلاق البطريرك هذه التصريحات ومن دون مناسبة؟! فقد كرّرت السؤال على أحد المطّلعين على أضيق زوايا المشهد العام في لبنان والعالم العربي فأجابني بكلمتين: «الفيديو يتكلّم»!!
والمؤسف أن الغزل البطريركي بفاشية النظام السوري الذي يقتل الرضّع والخدّع ويقتل الأطفال ويشوّه جثثهم وهو أمر تجاهله صاحب الحديث في سياق تساؤله: «ما نفع الديموقراطية إذا كانت تريد أن تقتل الناس وتضع عدم استقرار؟ نحن نتحدث من منطلق كنسي نقول إن الإنسان الكائن البشري هو كل شيء»، فعن أي إنسان يتحدّث؟ وما هو المعيار الكنسي للجرائم المرتكبة بحقّ الشعب السوري، وما هو المعيار الكنسي الذي تُبرّر فيه الكنيسة بقاء الديكتاتوريات، في وقت تعلّمنا فيه أن المسيحيين العُزّل وقفوا بإيمانهم المجرد في إمبراطورية روما وإجرامها الذي جعلها تلقي بهم في أفواه الأسود الجائعة لإصرارهم على الإيمان بالسيد المسيح، الذي برسالته حرّر هؤلاء من ديكتاتورية الهيكل وفسادها!!
في أقل من عام واحد أحرقت تصريحات البطريرك ربيعه وصيفه وخريفه وأعلنت أن الشتاء بدأ منذ فقدت التصريحات بوصلة مصلحة لبنان العليا ودخلت في دهاليز ما تناثر من كلام كبير في الصالونات السياسية اللبنانية، والمارونية منها على وجه الخصوص، الأمر الذي أعاد اللبنانيين إلى ذلك رواية ذاك الكتاب الذي حمل عنوان «التسونامي العربي» لأنطوان بصبوص خصّص صفحتين لما اعتبره أسباب وقوف الراعي ضد الربيع العربي عموما وضد الربيع السوري خصوصاً!!
وفي الصفحتين 282 و283 في الكتاب الصادر عن دار «فيار» رواية مزعومة عن العلاقة القديمة التي كانت تربط الراعي باللواء الراحل غازي كنعان، وإقدام هذا الأخير على زرع آلات تجسس في مطرانية جبيل، وبدء مقايضة الراعي بما حصلت عليه المخابرات السورية.
هذا النوع من الأحاديث «الكنسية» المفاجئة والتي تأتي في وقت يخدم مصلحة نظام مجرم وهو أقرب إلى تلميع صورته والترويج لدعايته واتهاماته للثورة في سورية بأنها إرهاب سلفي، يُلقي بذاكرة اللبنانيين بذلك الحديث الذي تردد طويلاً على ألسنة اللبنانيين: «غازي كنعان «انتحر» لكن «إرثه» موجود، وأن ذاك الإرث على ما «فيديو يتكلّم»!!