كلمة الرئيس سعد الحريري في حفل إطلاق وثيقة "تيار المستقبل" السياسيّة:
"أيها الإخوة والأخوات،
أيها الأصدقاء، السلام عليكم جميعاً ورحمة الله وبركاته،
أتوجه إليكم، وانتم في بيتكم، بيت الوسط، بروح الاعتدال والمحبة والانفتاح، الروح التي نشأنا عليها، وأقمنا معها عقداً على الوفاء، لوطننا لبنان، وعروبته ورسالته الحضارية.
أتوجه إليكم، بما عرفتموه عن الرئيس الشهيد رفيق الحريري، شهيد الاعتدال، والعيش المشترك، والوحدة الوطنية، وشهيد القرار الوطني الحر المستقل، وطليعة شهداء الربيع العربي، ربيع الاستقلال اللبناني الثاني.
أتوجه إليكم، بروح الميثاق الوطني، الذي صنعه رجال الاستقلال الأول عام 1943، وبروح وثيقة الوفاق الوطني التي أقرها اللبنانيون في الطائف، وأخرجت لبنان من دوامة الصراع الأهلي الدموي.
إن المسلمين في لبنان، أيها الإخوة والأخوات، ليسوا كياناً سياسياً مستقلاً، قائماً في ذاته، بل هم ركن من أركان المعادلة الوطنية، التي يشكل المسيحيون في لبنان نصفها الأول.
والاجتماع، الذي نحن في صدده اليوم، ومشروع الوثيقة التي أعدت للصدور عنه، يعبران عن هذه الحقيقة، وعن الوظيفة الوطنية والقومية النبيلة التي تجتمعون من أجلها. وإذا كان القول الشائع، بأن لبنان، بلد يحلق بجناحين، هو قول يعبر عن واقع الحياة المشتركة، بين المسلمين والمسيحيين، فإن التحديات التي تواجه هذه الحياة، تتطلب مبادرات مسؤولة وشجاعة، بحجم ما تقدمون عليه، وبمستوى الرؤية التي تواكب المتغيرات المحيطة بنا.
إن الربيع العربي، يتيح أمام اللبنانيين، فرصة ذهبية لتحديث تجربتهم الديمقراطية، وتصفيتها من مخلّفات الحروب الطائفية وسياسات الاستقواء والرهانات على الخارج. واللبنانيون جميعاً، معنيون بالتقاط هذه الفرصة، وتجنب القراءات الخاطئة لمسار الربيع العربي، وخصوصاً التغيير الحتمي القائم في سوريا.
هناك أنظمة سياسية عمياء، رهينة حب الاستئثار الأبدي بالسلطة، اختارت أن تقود بلدانها، بشعارات المزايدة والممانعة المزيفة في خدمة الحزب الواحد والرئيس القائد. وهناك شعوب، قررت أن تكسر أبواب السجن الكبير، وأن تصعد ببلدانها، نحو المسار الديمقراطي، لترفع عن عيونها غمامة عشرات السنين من القهر، والظلم، والاستبداد، لتنهي إلى غير رجعة، زمن الخوف الأبدي، والطاعة المطلقة للحكام، وأحزابهم المحنطة.
واللبنانيون أمام هذا المشهد، إما أن يختاروا طريق الالتحاق بالأنظمة العمياء، فيعملون على تجميل الوجه الإجرامي القبيح لتلك الأنظمة، وإما أن يأخذوا بيد الشعوب الحرة، في مطالبتها بالحرية والعدالة. وفي يقيني أن شعب لبنان، بأصالته الديمقراطية، لن يختار سوى طريق الشعوب. هذا ما يقوله المنطق، وما توجبه مصلحة لبنان.
وإن كان هناك بين اللبنانيين من يرى، مع الأسف، خلاف ذلك، ويصر على أن يقرأ التطورات في سوريا بعيون النظام الأعمى. هذه قراءة، أقل ما يمكن أن يقال فيها، إنها قراءة غير أخلاقية. هناك قاتل اسمه نظام بشار الأسد، يرتكب يوميا ً وبالجرم المشهود، عشرات عمليات القتل، الموثقة بالصوت والصورة في كافة أنحاء سوريا. وهناك مدينة اسمها حمص، شن عليها بشار الأسد حرباً لا تقل ضراوة وشراسة وحقداً، عن حروب إسرائيل ضد لبنان، وغزة. وهناك فرق، من الدبابات والشبيحة تقوم بمحاصرة المدن والقرى، من درعا الى إدلب، ومن بابا عمرو إلى جسر الشغور، وتمنع المياه والغذاء والدواء عن مئات آلاف المواطنين السوريين. فأي دين وأي أخلاق وأي دستور يجيز تبرير كل هذه الجرائم؟ وأين هي مصلحة لبنان، من الرهان على نظام، يغرق في حقول الموت التي أنشأها؟ هذا رهان وتبرير غير أخلاقي. ولن يشرف اللبنانيين أن يكون بين قياداتهم من يشارك في التغطية على ذبح الشعب السوري.
أصدقاء النظام السوري في لبنان، يجب أن يعوا هذه المسألة، وأن يدركوا أن قوة الحديد والنار لن تتمكن من إعادة عقارب الساعة إلى الوراء. هذا النظام، يستطيع أن يعيش لعدة أسابيع أو شهور، لكن الشعب السوري هو الذي سيبقى الى الأبد. هذه سنة الحياة، وسنة التاريخ، وهذه إرادة الشعوب.
وإرادتنا نحن في لبنان، أن نعيش في وطن موحّد، لا فضل فيه لمواطن على آخر، ولا ضمانة فيه من طائفة الى أخرى، إلا ضمانة الدولة، المسؤولة عن جميع المواطنين، وعن إقامة ميزان العدل والحرية والمساواة بين الجميع. قيمة لبنان، أنه بلد الحرية، أي أنه بلد المساواة بين أبنائه، وجوهر لبنان أنه بلد الرسالة الإنسانية والحوار المستدام بين الإسلام والمسيحية. الديمقراطية تحمينا جميعاً، وهي ضمانتنا للعيش المشترك في وجه التشرذم، وللوحدة في وجه الانقسام، وللحوار في وجه التعصب.
ويقيني أنكم في هذا اللقاء، وفي الوثيقة التي ستصدر عنه، ترتقون إلى هذه المعاني، لتقدموا مشهد الاعتدال على حقيقته ولتعلنوا من موقع الشراكة الوطنية مع إخوانكم اللبنانيين، بأنكم لستم الآن ولا في أي مرحلة من المراحل، في مجال تقديم الضمانات لأي جهة أو مجموعة، ولستم بالتالي في مجال توجيه الرسائل، لأي فريق، بأنكم جزء من ربيعٍ عربي مترامي الأطراف، تراهنون عليه لقلب المعادلات في هذا الاتجاه أو ذاك.
إننا، أيها الإخوة والأخوات، لا نعطي أنفسنا، ولا نرضى لأي جهة أن تعطي نفسها، حق الوصاية على معادلة العيش المشترك في لبنان. إننا بمثل ما نرفض فعل الاستقواء بالسلاح والأحلاف الخارجية لفرض الشروط على إدارة الشأن العام في البلاد، نرفض في المقابل كل شكل من أشكال الاستقواء بنبض الأكثرية، لفرض أي نوع من أنواع الأبوّة على الحياة الوطنية والسياسية.
لقد سبق أن أعلنت قبل أيام، أننا في لبنان، نرى في الربيع العربي لحظة يقظة تاريخية لوعي ديمقراطي، يشكل في حد ذاته، الضمانة لكل المجموعات العربية، على اختلاف انتماءاتها الطائفية والمذهبية والسياسية والعقائدية.
وإذا كان هناك من رسالة نتوجه بها من لبنان، إلى أطراف الربيع العربي، فهي رسالة الوحدة والعدل والعيش المشترك والاعتراف بالآخر. إنها رسالة السيد المسيح، رسالة السلام، إنها رسالة القرآن الكريم: يا أيها الناس، إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا. إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم. صدق الله العظيم.
إن صيغة العيش المشترك بين المسلمين والمسيحيين، هي ثمرة جهد إنساني وفكري وروحي عميق، يرتكز إلى قوة المساواة، وحرية التعبير والمعتقد والإيمان، والى ثقافة السلام الوطني والاعتراف بالآخر، والامتناع عن سياسات الفرض، بمختلف أشكاله. وإذا كان وجود إسرائيل على حساب شعب فلسطين، قد هزّ أركان العيش المشترك وتلاعب فيه لسنين طويلة، فإننا ما زلنا، نؤكد على كوننا، أصحاب إرث كبير في هذا العيش، ليس في لبنان فحسب، إنما في معظم بلدان الوطن العربي، وفي دول المشرق العربي تحديداً، التي ما كان لها، أن تنهض من عهود الاستعمار، بغير إرادة وطنية، تضامنت على إنتاجها رموز ونخب وقيادات من المسلمين والمسيحيين.
هذا هو تاريخ الحركات الوطنية الحقيقي، في مصر والعراق وسوريا وفلسطين والأردن. وفي لبنان الذي أغرقته الحروب الإسرائيلية والداخلية، بسيل جارف من الانقسامات، ولم يجد سبيلاً للنجاة سوى بالعودة الى الحياة المشتركة بين المسلمين والمسيحيين. لقد أسهمت الحروب الإسرائيلية والداخلية، طوال العقود الأربعة الماضية، في تغيير الوجه الديموغرافي للبنان، فنشأت مناطق شبه صافية طائفياً ومذهبياً، قامت على أنقاض تجربة طويلة من الاختلاط الطائفي والحياة الوطنية المشتركة. هذا الواقع المؤسف، لا يمثـل جوهر لبنان، وحقيقته التاريخية والإنسانية، ولا يصح أن يبقى عبئاً ثقيلاً على مستقبل البلاد. واللبنانيون مطالبون، على صورة ما شهدته البلاد، عام 2000 عند تحرير الجنوب والبقاع الغربي من الاحتلال الإسرائيلي، ثم في 14 آذار 2005، بكسر هذه الحلقة، وإعادة إنتاج مساحات وطنية للتلاقي، لا تتحكم بها مفاتيح الاستقواء السياسي والأمني وعوامل الارتباط بالأجندات الخارجية.
إن اجتماعنا اليوم هو ثمرة من ثمار هذه الإرادة الوطنية، التي عاشها ومضى على طريقها الرئيس الشهيد رفيق الحريري وهو خطوة في اتجاه التفكير السليم نحو مبادرات مسؤولة تساهم في إعداد البلاد لمواجهة المرحلة واستحقاقاتها.
نحن نقدّر عالياً مساهمات الحلفاء في قوى 14 آذار من خلال المواقف والوثائق التي تحاكي الربيع العربي، وفي مقدمتها، شرعة الرئيس أمين الجميل ومواقف الدكتور سمير جعجع، والوثيقة المسيحية للقاء سيدة الجبل، والبيان المميز لأبناء ومثقفي الجنوب، والمواقف المعلنة للشخصيات الوطنية وأهل الرأي. إن هذه المبادرات تعكس التزاماً كبيراً بالربيع العربي وقضاياه في إقامة مجتمع الحرية والعدالة والديمقراطية.
إن تيار المستقبل يقدم هذه الوثيقة مساهمة في إغناء الحوار بين كل القوى المؤيدة لحق الشعوب العربية في الديمقراطية وتداول السلطة. إننا نضع هذه الوثيقة مع الوثائق والمواقف الأخرى من أجل حوار جدي للخروج برؤية وطنية جامعة من خلال النقاش الذي نتطلع إليه، بين مكونات المجتمع اللبناني الديمقراطي.
ما من أحد أيها الإخوة والأخوات، يمكن أن يدعي أنه كان على بيـنة مما سيحصل في العالم العربي، ومما يحصل في سوريا خصوصاً. لقد راهنت الأنظمة على أن شعوبها تغرق في بحور من اليأس والخوف، وها هو الكفاح البطولي للشعب السوري يقدم الدليل القاطع على انهيار هذا الرهان. سوريا تتقدم نحو الحرية، بإرادة شعبها، وبتضحية آلاف الشهداء من أبنائها وآلاف المعتقلين الذين يتم زجهم في السجن الكبير. إنها الحرية التي ترسم بين اللبنانيين وبين الربيع العربي والربيع السوري، خطاً مستقيماً للتغيير والتقدم والحياة الديمقراطية.
عشتم، عاش الربيع العربي، عاش لبنان…