كلما نظرتُ إلى الشاشات المخضبة بالدماء، والمتخمة بالاشلاء، والمثقوبة برعب نظرات الاطفال، أو بصرخات الأمهات وهنّ يحتضنّ جثث الابناء، تستعيد لي ذاكرة التاريخ والأدب ذلك الثلاثي السوري الذي لم تضمّه حقبة واحدة من الماضي، ولكنه ساطع الحضور منذ الخامس عشر من آذار من العام 2011، بحيث لا تكاد تمر لحظة لا يحتل فيها المَشاهد من فصول المأساة المستمرة العرض على خشبة المسرح الأحمر.
لقد برع السوريون القدماء في نواحي العلوم، ومنها الري، حيث أقاموا، قبل خمسة قرون من الميلاد، نواعير ، اشتهرت بها حماة. وقد سميت كذلك لانها تحدث صوتاً فيه نعير، وهو اشبه بالانين الذي يحدثه تثاؤب الخشب عندما يرفع الماء الى قناطر الخير والسواقي التي تغدقه على البساتين والحياة.
ولكن الأنين المزمن، تحول نحيباً، ودمعاً قانياً تذرفه ميازيبها، وهي تحمل دماء " العاصي"، الى قنوات الدنيا، ومجاري العيون "لانه عصى باتجاه جريانه ومصبه" كما تقول الجغرافيا، فجردت عليه مصادفة التاريخ حملة عسف وقصف كي يتأدب فيكف عن تمرده، ويقنع مواسمه البشرية بالتخلي عن خصوبتها، والاستكانة وراء السدود التي أنشِئَت فوق مجراه، لتحجب عن الحقول الشمس، وتقنن الهواء، وترصد حركة النسغ في عروق النبات.
سُمِّيَت حماة بمدينة " أبي الفداء" الذي كان ملَكَها، وهو من كبار المؤرخين، وقد وصفها بأنها " مدينة أزلية، وهي من أنزه بلاد الشام"فإذ بها تصبح أرملته " أمَّ الفداء" التي تثكل أولادها على مدار الليل والنهار، وتستعيد لنا ابنها "ياقوت الحموي" صاحب " معجم البلدان" لنقرأ من خلال السطور المُنَضَّدَة بحروف الجثث اسماء المدن والدساكر والقرى السورية، كأَن حَفَدَته، على صغر سنهم، باتوا أساتذةً يدرِّسون متفرجي الشاشات في معجم تلك الجغرافيا السورية المدهشة ذات المواصلات السلسة بين موج البحر وثلج الجبل، وبين الحدود والحدود، وبين سهل الغاب والربيع العربي، كما يكتبون سطوراً جديدة للتاريخ، دافئة الدماء، يغمس فيها رعاة المستقبل يراعهم التي لا تكف عن الكتابة والاصرار.
كتب عبدالله بن الزبير إلى معاوية بن أبي سفيان متوعداً إياه بالشر، لأن بعض عبيده دخلوا أرضاً يملكها، فما كان من يزيد إلا أن طلب من أبيه تجريد حملة لتأديب ابن الزبير، ولكن معاوية أرسل له قائلاً: إذا شئت فلكَ أرضي وعبيدي فأجابه "وقفتُ على كتاب اميرٍ المؤمنين، فلا عدم الرأي الذي أحلَّه من قريش هذا المحل"، فأراد معاوية ليزيد أن يأخذ العبرة قائلاً: "اذا رُمِيتَ بهذا الداء، فَدَاوِهِ بهذا الدواء"، ولكن يزيد لم يتورع عن الفتك بسيد شباب الجنة، فيما أحجم والده عن الاشتباك مع ابن الزبير. ولقد لفتني الكاتب الثقْف، والصديق العزيز الاستاذ سمير عطاالله إلى رأي لمعاوية في الحكم وهو أن السلطة ثُلُثها فطنة، وثُلُثاها تغافل، فإذا طغت الفطنة على التغافل، وقع الحاكم في الغفلة المطلقة، على غرار ما فعل "الضابط الفطِن" الذي رفض التغافل عن سطور كتبها تلامذة صغار فاقتلع اظافرهم، وأرسل من يحطم أواني الفن في أنامل علي فرزات؛ إِن الحاكم الذي يحول بين الناس وبين السنتهم، ويضع سيفه حيث يكفيه وضع لسانه، يعاني من انخفاض في منسوب الثقة في شخصه وحكمه وسياسته، لأنه يرى البطش وسيلة وحيدة لمعاملة المواطنين، فيما لو كان ذا نزعة تصالحية مع أهله، وأعطاهم نصف ما يستحقون بالطرق السلمية، لوفر على نفسه وبلده، التساخي على أهل الخارج، بما لا يستحقونه من أرضٍ، وعرضٍ، وهدنة مسمومة.
ولكن الحكم يصرّ على مجابهة عصيان النهر، على طول مسيله، فيكمن له في الرستن، ويدمر له "باب العمر"، ويترصده إلى أن يصل الى إنطاكية، حيث يجفل هناك عن مواكبته، لان ذلك اللواء قد جرى سلخه أخلاقياً، وبإرادة الحاكم، عن صورة النقد السوري وعن النشرة الجوية الرسمية، بأقسى مما جرى سلخه سياسياً عن أمِّه السورية في ظل الانتداب.
في اللغة: "الحمص" هو إخراج القذاة من العين، ومدينة حمص إنسان عين سوريا، وواسطة عقدها، فكيف يسوغ أن يُصبَّ القذى ناراًً ودماراً على أمَّ العين، ومن ذا الذي يظن أنه يستطيع اعتقال النهر، والماءُ مراوغٌ يتفادى الاعتقال بمرونة قوامه، ويغور الى الجوف، ويفتح في الجيولوجيا المسارب الجديدة، فيَنْبُتُ في إدلب حقولاً من الفستق، ويَظْهَرُ في حوران مراعيَ يصول فيها الحزم والعزم والجدول الرقراق.
حمص التي تحب العيش والرغد والفكاهة، وتضرب الامثال بتندر أهلها على أنفسهم، واختراع الروايات المضحكة، باتت تَبكي وتُبكي، وتستذكر" ديك الجن الحمصي عبد السلام بن رغبان- الذي قتل عشيقته " ورد" غيرة ثم أحرق جثمانها، وجعل من رماده كأساً يحتسي بها خمر غدره وهو ينتحب لفراقها منزهاً نفسه عن فعلته المجنونة، بل مبرراً إياها بالبيت المشهور.
لكنْ، ضنَنْتُ على العيون بحسنها
وأنِفْتُ من نظر الحسودِ إليها،
وفي الوقت عينه لا يفوته أن يتفنن في وصف الجِبِلِّةِ المتناقضة من القسوة والحنان التي يتكون منها، فيقول:
أعملت سيفي في مجال وشاحها
ومدامعي تجري على خديها
رَوَّيْتُ من دمها الثرى ولطالما
روََّى الهوى شفتيََّ من شفتيها..
فهل كُتِب على تراب حمص أن يُخضَّب بدماء الورد، لان ديك الجن يُبَعثُ في كل صباح، مطلقاً من عُلْيِ الصياح باروده المرشوش بالدمع الخادع الخالي من الندم؟ّ
يقول المعرّي في سِقط الزَّند:
خفِّفِ الوطءَ ما أظنُّ أديم
الارض إلا من هذه الأجسادِ
ربَّ لحدٍ قد صار لحداً مراراً
ضاحكٍ من تزاحم الأضدادِ
ولا أظن أحداً أصاب نصيباً من المعرفة أو الثقافة إلا وحفظ هذين البيتين عن ظهر قلب، لما فيهما من حكمة وحقيقة مرة عن مآل الاجساد البشرية، وعن المأساة التي تُضْحِكُ القبور التي تضم تحت شواهدها من تعادَوْا في الحياة وتضادوا، ثم استكانت عظامهم إلى الألفة والتساكن، كأنها تثبت بذلك عجز الأرواح عن التواصل، ونفور العقول من التفاهم فهل يفوت القاتل الذي يظن أنه قصَّرعمر قتيله، أنه يتخلص من وجوده لفترة قصيرة، لكي يضّم التراب رفاتيهما معاً الى يوم يبعثان؟
ذهبت الدبابات إلى "معرّة النعمان" وطوقتها، ولم يكلف أحد من سائقيها أو آمريها نفسه عناء النظر الى تمثال أبي العلاء، أو أن يقرأ في عينيه ما مفاده أن مدافعهم هي "لزوم ما لا يلزم"، لأنهم إذا توهموا أن آلة الحرب لازمة لتثبيت غَلَبَتهم، فإن ما يسقط من زَنْدِ تراث المعرة كفيل بإبطال ذلك اللزوم، فتلك المدينة التي أقام الفرنجة فيها ولائمهم من رؤوس أطفالها، لم تكفّ عن إنجاب الرؤوس اللامعة، وهي لن تمنح "رسالة الغفران" لمن يرى إلى المحكومين مطايا وجماهير تصفق لما يخرج من فمه من كلام باذخ المبنى، جائع المعنى، ولا يضيره أن يرى مملكته تتحول إلى جبانة من المواطنين الصالحين الصامتين.
ذلكم هو الثلاثي المستعاد، الذي يسأل " قلعة الحدث" إن كانت تعرف لونها والتي صار بها مثل الجنون، فأصبحت تتعوذ بتمائم الجثث، كما يقول ابو الطيب، وهو الذي يذكر المتحول العارض بالثابت السوري، الذي أنشأ دمشق كأول عاصمة في التاريخ، فأوى إليها صلاح الدين بعد أن حرر لها عروس عروبتها وذهب بعدها إلى الأموي لينام قرير العين، كما فعل قبله ابن الوليد فاختار حمص مقراً ومستقراً من بعد ما أَمِنَ له اليرموك بمجراه ومائه وانتمائه.
وتلكم الحضارة السورية التي لا يضيرها أن حوّل أحدهم مدينة تدمر التاريخية الى سجن يعدم فيه المساجين من غير أحكام، لأن التاريخ يحسن تصنيف الصفحات، ويكتفي من بصيص الضوء بما يفضح العتمة وأهل الظلام الذين يطيب لهم أن يقيموا معتقلاتهم في أسفل أدوار ما تحت الارض، لكي يقتنع "زبائنهم" انهم والجرذان والزواحف سواسية، وبأنَّ أنينهم لا يمسُّ من قلب السجان أكثر مما يمسُّهُ هسيس الجنادب ومواء القطط.
في هذه الأيام التي تنزف دماؤها بأسرع من نزف الثواني يأخذك التاريخ إلى مدينة كان لها في العصر البيزنطي شأن كبير، حيث قام انستانيوس الأول بتحصينها للحماية من الغزو الفارسي على جبهة ما بين النهرين، وقد تغنى بها الشعراء قديماً باسم "أدرعات" أي "درعا" عاصمة حوران، التي شارك اهلها في العام 1918 بنشاطات الثورة العربية واتصلوا بالامير فيصل وعاهدوه على صد الاتراك وشاركوا المدن السورية في نضالها لطرد المستعمرين فحاصروا الثكنة العسكرية التي اضطرت حاميتها للفرار، فأين هي الآن من بأسها وقد حلَّ فيها البؤس كله، وأين هي من إِشراقية الإمام النووي وشعر أبي تمام، إبنَيْها اللذين تعكر على تناجيهما، مدافع الميدان والصواريخ الموجهة…
في مفتتح العهد الأموي تولّى يوحنا الدمشقي منصب خازن بيت مال المسلمين، خلفاً لأبيه سرجون، ثم تخلى عن وظيفته وانصرف إلى الترنيم الكنسي حيث وضع معظم التراتيل لاسيما تراتيل الفصح المجيد، وقواعد الموسيقا البيزنطية، فكانت دمشق الفيحاء تضخ في مياه بردى مزيجاً من الترتيل والتجويد، يخشع له قاسيون، وتحمله موجات الهواء الى أقاصي الأرض، كما تحمل الهوائيات الآن إلى المشارق والمغارب مناظر السوريين الذين قرروا التمثل بالناسك العربي السوري مار سمعانِ العمودي، فأقاموا في كل شبر من أرضهم عموداً للصبر والجلد، يعتصمون به ويتنسكون فوقه قربى الى الله والحرية.
إنني إذ أسترجع هذه المساحة الفائقة الثراء التي يفضي فراتها الى شط العرب، وعاصيها الى حزن العرب، وشهباؤها الى سليمان الحلبي زين شباب العرب، الذي أردى في الكنانة الحاكم الفرنسي كليبر، تعبيراً عن وحدة الأمة والدور السوري في كفاحها، ينتابني الذعر من تلك الأصابع التي تضغط على الزناد فتدمر تاريخها بلا رحمة وتغتال أناساً لا تعرفهم، وتقصف أماكن لا يحتلها العدو، كأنما الحكم لا يطيب لها إلا إذا كانت البلاد أطلالاً يسكنها شعب يشبه الأطلال.
يخرج علينا من نشرات الاخبار التي تغطي المأساة السورية ، أشخاص يصفون هول ما يحدث، ويتكنَّوْن بأسماء مستعارة منسوبة إلى الأماكن التي يبثون منها، كعبدالله الحمصي، وحسن الحموي، ورياض الإدلبي، فتدمع العيون وتنخلع القلوب، خصوصاً عندما يخرج على ضمير العالم نداء ياقوت الحموي ويوحنا الدمشقي وسمعان العمودي، وأبي العلاء المعري، والإمام النووي وغيرهم من اصحاب الاسماء الحقيقية لا المموَّهة، ليعلنوا أنهم امتشقوا جدارتهم وجدارة ذريتهم للدفاع المجدي عن أمهم الأرض، وأبيهم التاريخ.
يقول الشاميُّ نزار:
أتَجوَّلُ في الوطن العربيِّ
وليسَ معي إلا دفْتَرْ..
يُرْسِلُني المخْفَرُ للمخْفَرْ..
يَرْميني العَسْكَرُ للعَسْكَرْ..
وأنا لا أحملُ في جيبي إلا عُصْفُورْ
لكنَّ الضابطَ يُوقِفُني
ويريدُ جوازاً للعُصْفُورْ
تحتاجُ الكِلْمَةُ في وَطَني
لجَوَازِ مُرُورْ!!.