جنبلاط نموذج… والراعي نموذج آخر

بإزاء الربيع العربيّ بشكل عام والربيع السوريّ بشكل خاص، ثمّة في لبنان نموذجان للتعاطي «الأقلّويّ» – إذا جاز التعبير – مع التطوّرات في سوريّا والمنطقة. النموذج الأوّل يمثّله رئيس «الحزب التقدّمي الإشتراكي» وليد جنبلاط بوصفه في جانب رئيسيّ من موقعيّته وحيثيّاته زعيماً للدروز. والنموذج الثاني يمثّله رأس الكنيسة المارونيّة البطريرك بشارة الراعي. وهما نموذجان مختلفان متناقضان حول موضوع واحد.

إنطلق وليد جنبلاط من موقف عام بدايةً هو تأييد الربيع العربي ودعمه. وفي سوريّا، وبعدَ محاولات بذلَها لحضّ النظام على الاستجابة لما يطالب به الشعب قبلَ أن تبلغ الأزمة نقطة اللاعودة، وهي محاولاتٌ قام بها من موقع اعتباره أنّ الانتفاضة السوريّة مفصل تاريخيّ، وإذ أعادَ اكتشاف أنّ نظام الأسد غير قابل لأيّ «تحسين»(!)، حسم جنبلاط موقفه.

وفي حسمه لموقفه الذي ذهب بعيداً في مناهضة نظام الأسد من أجل الكرامة والحرّية والديموقراطيّة للسوريّين ومن أجل الاستقلال الناجز والسلام الأخير والديموقراطيّة للبنانيّين، حمى وليد جنبلاط طائفته. حمى الطائفة الدرزيّة في سوريّا من أن يستخدمها النظام ومن أن تكونَ في مواجهة مع الطوائف الأخرى ومن أن تؤدّي أدواراً ضدّ الثورة. وحمى الطائفة الدرزيّة في لبنان. بحيث تكون في موقع يُحاكي المرحلة المقبلة. وباختصار يمكن القول إنّ جنبلاط حجز للطائفة الدرزيّة في سوريّا ولبنان «مكانها» في مستقبل البلدين والمنطقة، حائلاً بذلك دون إبقائها في الماضي، مؤسّساً على فكرة جوهريّة هي أنّ «الدور» هو ما يحفظ لجماعة أو جهة أو فئة مستقبلها، وأنّ «الدور» المشارك في صنع الغد هو الذي يحفظ المكانة في المرحلة المقبلة.

ماذا عن النموذج الثاني؟

لدى انطلاقة الثورة السوريّة تحديداً، وفي ظلّ مخاضات الربيع العربيّ في العديد من الدول العربيّة، افتتح البطريرك الراعي سلسلةً من المواقف «المثيرة للجدل». وقد شاء بدايةً أن يتحدّث عن «هواجس» بشأن مستقبل مسيحيّي الشرق. وفي المقابل رغبَ من لم يقتنعوا بتلك «الهواجس» وبطريقة التعبير عنها خصوصاً في أن يناقشوا الأمور في حدودها المطروحة من جانب الراعي. فردّ المعترضون، من المسيحيّين، على مقاربة البطريرك بعناوين متعدّدة أبرزها أنّ الديموقراطيّة لا تخيف، وأنّ المشاركة في صنعها هي الضمانة للمكانة والدور المستقبليَّين.

بيدَ أنّ البطريرك وفي آخر حديث له إلى وكالة «رويترز» نهاية الأسبوع الفائت، حطّم مجموعةً من المبادئ والمرتكزات.

فقد انتقل من «هواجس» بشأن تحوّلات يمكن برأيه أن تهدّد الوجود المسيحيّ، إلى إدانة الربيع العربيّ. وهذا في قوله «نحن مع الربيع العربيّ ولكن ليس مع الربيع بالعنف والحرب والدمار والقتل، وبهذا يصبح شتاءً». أمّا من يواجه الربيع بالعنف والحرب والدمار والقتل؟ فالجواب عند سيّدنا مكتوم وتجهيل الفاعل مقصود. وهل الكرامة والحرّية والديموقراطيّة تُنال بدون تضحيات؟

وسأل: «ما نفع الديموقراطيّة إذا كانت تريد أن تقتل الناس وتصنع عدم استقرار؟». فهل الديموقراطيّة تقتل وتدمّر أصلاً؟ أم أنّ ما يقولُه الراعي هو دعوة إلى الاستغناء عن الديموقراطيّة بما أنّ ثمن الحصول عليها باهظ؟

ولا يخفى أنّ البطريرك يقصد الاستغناء عن الديموقراطيّة. ذلك أنّ «أطرف» نظريّة عبّر عنها تمثّلت في قوله إنّ «النظام في سوريّا متشدّد وديكتاتوري»، ليضيف بعد جملتين فقط أنّ «سوريّا أقرب شيء إلى الديموقراطيّة»!!. نظريّة عظيمة: ديكتاتوريّة قريبة إلى الديموقراطيّة!

ومن غير حاجة إلى مناقشة في الأخطاء التاريخيّة التي تضمّنها كلام الراعي الذي لا يزال متسمّراً عند خطأ الاعتقاد بأنّ النظام في سوريّا كان علمانيّاً طوال نصف القرن الماضي(!)، يستوقف في كلامه هجومه على الأنظمة العربيّة الأخرى، وذلك إذ يقول بأنّ «النظام في سوريّا متشدّد وديكتاتوريّ لكن يوجد مثله الكثير في العالم العربيّ».

بطبيعة الحال، لا علاقة لكلّ الأقوال السابقة بزعيم روحيّ. فهي مواقف سياسيّة منحازة إلى نظام الأسد.

بيدَ أنّ الأسئلة المطروحة عليه كثيرة: هل يحمي البطريرك الماروني مسيحيّي الشرق بربط مصيرهم بمصير نظام آيل إلى السقوط؟ هل يحمي البطريرك المسيحيّين إن هو قدّر خطأ أنّ النظام استعاد وضعيّته باحتلاله حي بابا عمرو؟ هل يحمي المسيحيّين إن هو وضعهم أو دعاهم إلى وضع أنفسهم خارج الزمان والعصر؟ هل يحمي المسيحيّين إن هو غذّى لديهم الخوف من نتائج الديموقراطيّة؟ ألا يحكم على «الإسلام السياسيّ» كلّه بالتطرّف وألا تولّد أقواله تطرّفاً؟ وهل هو مقتنع بأنّ مسيحيّي لبنان وسوريّا والمشرق مقتنعون بوجود حالة «تغَوُّل إسلامي»؟. والأهمّ هل في الهجوم على الأنظمة العربيّة تبرير لنظريّة «ديكتاتوريّة قريبة إلى الديموقراطيّة»، حمايةً للمسيحيّين خاصة في بلاد الاغتراب والأعمال في الخليج؟

نموذجان إذاً: وليد جنبلاط يحمي طائفته بالمستقبل، والبطريرك الراعي يكشف طائفته للمستقبل.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل