كتب ايلي الفرزلي في صحيفة "السفير": سقط مشروع وزير المال محمد الصفدي بتسوية الإنفاق الحاصل بين 2006 و2010 قبل أن تبدأ مناقشته في مجلس الوزراء صباح اليوم. وفيما كان يفترض أن يكون يوم أمس فرصة لدراسة الوزراء للمشروع من ضمن مهلة الـ48 ساعة (وزع عليهم في جلسة يوم الأربعاء)، تغيرت الأولويات بعد جولة مشاورات واسعة، أمس، استندت إلى اعتراضات «تكتل الإصلاح والتغيير» على مشروع الصفدي.
لم يمض النهار إلا وكان المشروع قد أصبح من الماضي، بعد سلسلة اجتماعات كان محورها الرئيسين نبيه بري ونجيب ميقاتي، إضافة إلى النائب إبراهيم كنعان الذي تنقل بين السرايا وعين التينة والرابية مراراً. كما شارك في الاجتماع الذي ترأسه ميقاتي وضم الوزراء محمد فنيش، جبران باسيل وعلي حسن خليل.
وعلى الرغم من أن مشروع الصفدي ما يزال على جدول الأعمال، إلا أنه من المرجح أن تصب معظم المداخلات في سياق رفضه، لأن «مجلس الوزراء ليس في وارد الإجازة بالإنفاق لمبالغ صرفت»، كما أكد فنيش لـ«السفير»، مشيراً إلى أن الأولوية هي لإعداد قطع الحساب للمبالغ التي صرفت.
وبالفعل، أكد كنعان لـ«السفير» أن الأجواء انقلبت من منطق التسوية على الإنفاق عبر إجازة صرف سنوات مالية أقفلت، إلى التحضير لتقديم قطوع حسابات تلك السنوات تمهيداً لإرسالها إلى مجلس النواب وديوان المحاسبة لإجراء الرقابة عليها. كما أوضح كنعان أن تقديم القطوعات لا يعفي وزارة المالية من إعداد الحسابات النهائية من العام 1993.
وعلمت «السفير» أنه تمّ مساء أمس التفاهم على أفكار عدة بشأن المشروع الجديد، بالتنسيق مع وزارة المالية، والمرجح أن يعرضه ميقاتي اليوم على مجلس الوزراء، من خارج جدول الأعمال.
وتهدف هذه الخطوة بالدرجة الأولى إلى الفصل التام بين الاعتمادات الإضافية التي صرفت في العام 2011، التي أقرّت في لجنة المال، وأحيلت إلى الهيئة العامة، وبين الصرف في السنوات التي سبقتها، التي ستكون قطوعات حساباتها قريباً على مشرحة لجنة المال.
وبهذه الخطوة، التي لم يعلن «تيار المستقبل» موقفه منها بعد، لم يحسم ما إذا كان مشروع الـ8900 مليار ليرة سيأخذ طريقه للإقرار خلال جلسة 15 آذار، ووصف كنعان أي عرقلة لهذا المشروع، بعد سلوك الصرف السابق مساره القانوني، بأنها ستكون محاولة فاشلة للابتزاز السياسي.
وإلى أن يتحول مشروع قطع الحساب إلى أمر واقع فإن مشروع وزير المالية محمد الصفدي ما يزال على الطاولة.
وتنشر «السفير» نص مشروع القانون المتعلق «بتسوية النفقات العامة عن 2006، 2007، 2008، 2009 و2010»، وكذلك ملاحظات تكتل التغيير والإصلاح عليه والتي أدت إلى إعادة النظر به.
وقد نصت المادة الوحيدة التي يتألف منها المشروع على الآتي:
«المادة الأولى: وافق مجلس النواب وعلى سبيل التسوية على النفقات المعقودة خلال الأعوام 2006، 2007، 2008، 2009 و2010 والتي تجاوزت أرقام الموازنة العامة والموازنات الملحقة لعام 2005 على مختلف تناسيبها.
المادة الثانية: ينشر هذا القانون ويعمل به اعتباراً من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية».
أما في الأسباب الموجبة للقانون، فجاء فيها: «نظراً للأوضاع غير الطبيعية والممارسات الشاذة خلال الأعوام، 2007، 2008، 2009 و2010 والتي نتج عنها عدم إقرار الموازنة العامة والموازنات المحلقة لكل من هذه السنوات، الأمر الذي أدى إلى تخطي القواعد الدستورية والقانونية المرعية الإجراء فيما يتعلق بالإنفاق العام».
وكانت ملاحظات «تكتل التغيير»، التي عمّمت صباحاً على المعنيين، قد أكدت بداية أن ما حصل «يشكل هرطقة دستورية».
من حيث الشكل، اعترض «التكتل» على وضع المشروع على جدول أعمال لجنة اليوم، على الرغم من «أحكام المادة الرابعة من المرسوم رقم 2552 الصادر بتاريخ 1 آب 1992، تؤكد على ضرورة إيداع الوزراء نسخة عن مشروع القانون قبل أسبوع على الأقل من تاريخ مناقشته. وقد سأل كنعان الذي ساهم في إعداد الملاحظات: كيف يمكن لأحد أن يتخيل بأن مشروع قانون بهذه الأهمية والخطورة يمكن عرضه في الجلسة مباشرة.
أما في المضمون، فقد استندت الملاحظات على مشروع القانون المعدّ من قبل وزير المالية إلى عدد كبير من النصوص الدستورية والقانونية والنظامية التي ترعى موضوع موازنة الدولة من جهة، وموضوع الحسابات المالية النهائية من جهة ثانية. وجاء فيها:
1- المادة 83 من الدستور تنص على ما يلي:
« كل سنة، في بدء عقد تشرين الأول، تقدم الحكومة لمجلس النواب موازنة شاملة نفقات الدولة ودخلها عن السنة القادمة ويقترع على الموازنة بندأ بنداً».
2- المادة الثالثة من قانون المحاسبة العمومية تعرف الموازنة بأنها:
«صك تشريعي تقدر فيه نفقات الدولة ووارداتها عن سنة مقبلة وتجاز بموجبه الجباية والإنفاق»…. «فهل يصح، دستورياً وقانونياً، بعد انقضاء أكثر من خمس سنوات على انتهاء السنة المالية 2006، وبعد انقضاء أكثر من سنة على انتهاء السنة المالية 2010 إقرار موازنة هذه السنوات؟ وهل يصح، دستورياً وقانونياً، منح إجازة جباية وإنفاق بمفعول رجعي يعود إلى ما بين سنتين وست سنوات؟ وهل يجوز، دستورياً وقانونياً، منح إجازة جباية وإنفاق لإيرادات سبق تحصيلها ولنفقات سبق عقدها وتصفيتها وصرفها ودفعها؟ وهل يصح عقد نفقة سبق عقدها منذ عدة سنوات؟».
3- تنص المادة التاسعة من قانون المحاسبة العمومية على ما يلي:
«يمكن تصحيح الأخطاء المادية والأخطاء في التنسيب بقرار من وزير المالية يصدر بناء على طلب الإدارة المختصة حتى الخامس عشر من شهر آذار من السنة التالية».
4- وتنص المادة 29 من التصميم العام لحسابات الدولة والمؤسسات العامة والبلديات الصادر بموجب المرسوم رقم 10388 تاريخ 9 حزيران 1997 على ما يلي:
«تقفل حسابات الدولة بنهاية الفترة المحددة لتنفيذ الموازنة، وتنظم الموازين العائدة لها من قبل كل محتسب عمومي وتقدم خلال المهلة المحددة له لذلك».
فهل يصح، دستورياً وقانونياً ونظامياً، فتح حسابات سبق إقفالها بنهاية كل سنة مالية، من أجل إجراء قيود جديدة فيها خارج المهلة المحددة قانونياً لإجرائها ولا تمت إلى الأخطاء في التنسيب أو إلى الأخطاء المادية بأي صلة؟
5- تنص المادة 87 من الدستور على ما يلي:
«إن حسابات الإدارة المالية النهائية لكل سنة يجب أن تعرض على المجلس ليوافق عليها قبل نشر موازنة السنة الثانية التي تلي تلك السنة. وسيوضع قانون خاص لتشكيل ديوان المحاسبات».
6- تنص المادة 195 من قانون المحاسبة العمومية على ما يلي:
«تضع مصلحة المحاسبة العامة كل سنة:
– قطع حساب الموازنة الذي يجب تقديمه إلى ديوان المحاسبة قبل 15 آب من السنة التي تلي سنة الموازنة.
– حساب المهمة العام الذي يجب تقديمه إلى ديوان المحاسبة قبل أول أيلول من السنة التي تلي سنة الحساب».
7- تنص المادة 197 من قانون المحاسبة العمومية على ما يلي:
«على الحكومة أن تحيل مشروع قانون قطع حساب الموازنة إلى مجلس النواب قبل أول تشرين الثاني من السنة التي تلي سنة الموازنة».
الأمر الذي يعني:
– بأن المتوجب تقديمه عن السنوات 2006- 2010 ضمناً هو مشروع قانون قطع حساب كل من هذه السنوات، لا مشروع قانون لتسوية موازناتها.
– بأن الدستور والقانون قد أوليا ديوان المحاسبة دوراً رئيسياً في إقرار الحسابات المالية النهائية. ويتجلى هذا الدور في ما نصّت عليه المواد التالية من قانون تنظيم ديوان المحاسبة:
«المادة 53: يصدر الديوان كل سنة بياناً بمطابقة كل من الحسابات التي تقدم إليه مدعومة بالأوراق المثبتة المنصوص عليها في القوانين والأنظمة».
المادة 54: تبلغ بيانات المطابقة:
÷ إلى رئيس مجلس النواب لتوزع على أعضاء المجلس، وإلى وزير المالية إذا كانت عائدة لحسابات الموازنة العامة والموازنات الملحقة ولسائر الموازنات الخاضعة لتصديق السلطة التشريعية وتطبق عليها أحكام المادة 51 من هذا المرسوم الاشتراعي.
÷ إلى وزير المالية ووزير الوصاية والهيئات المعنية والمرجع المختص بالتصديق على قطع حساب الموازنة لديها إذا كانت عائدة لحسابات الموازنات الخاضعة لتصديق مرجع غير السلطة التشريعية.
«المادة 51: تستمع لجنة المال والموازنة البرلمانية وسائر اللجان المختصة إلى رئيس الديوان أو من ينتدبه وعند الاقتضاء إلى ممثلي الإدارات العامة والهيئات المختصة عند درس التقرير لإبداء الإيضاحات اللازمة».
وسألت مذكرة «التكتل»: «هل يصح، دستورياً وقانونياً ونظامياً، التغاضي عن الالتزام بموجب دستوري هو موجب تقديم الحسابات، واستبداله بمشروع قانون أقل ما يقال فيه إنه هرطقة دستورية وقانونية ونظامية؟ وهل تبرر المخالفة الناتجة عن التأخر في تقديم الحسابات إلى ديوان المحاسبة والمجلس النيابي تقديم مشروع القانون الرامي إلى تسويات مرحلة خمس سنوات؟».
8- لقد سبق لوزارة المالية أن قدمت إلى ديوان المحاسبة مشاريع قطع الحساب عن السنوات 2006 و2007. «فهل سيعاد وضع هذه الحسابات في ضوء مشروع القانون الرامي إلى إجراء تسوية للسنوات 2006- 2010 ضمناً؟ وهل يصح، دستورياً وقانونياً، تغطية نفقات الخزينة من أصل اعتمادات الموازنة؟ وهل بالتسويات على حساب الدستور والقانون تبنى دولة القانون والمؤسسات؟».