وثيقة "المستقبل" تضيء على جماعة أساسية
لبنان يصدّر نموذج الحل… وسط خلافاته
لا يمكن بالنسبة الى اوساط سياسية عدة تجاهل الوثيقة السياسية التي اعلنها تيار "المستقبل" في الذكرى السابعة لذكرى 14 اذار والتي ضمنها رؤيته للأوضاع الراهنة والمستقبلية من ضمن الربيع العربي على رغم تساؤلات معروفة الاجابة عنها سلفا بالنسبة الى هذه الاوساط ما اذا كانت تحفز النقاش حولها من الافرقاء الاخرين في لبنان. اذ ان الاجوبة المعروفة سلفا هي ان الوثائق من هذا النوع ومنذ التاريخ الحديث لاطلاق مثيلاتها على الاقل منذ العام 2005 لم تحظ بمناقشة من الاطراف المتخاصمة ايا كان نوع الخصومة او طبيعتها ولم تكن تحظى بملاقاة في منتصف الطريق على الاقل بل ان الاحكام المسبقة على ما تتضمنه هذه الوثائق غالبا ما تؤدي الى اطاحتها من الواجهة عبر مواقف سياسية متشنجة تغلب على العقلانية التي تتضمنها الوثائق. ولعل مصير هذه الوثيقة لن يختلف على الارجح وفق هذه الاوساط من حيث ردود الفعل السياسية عن مصير سابقاتها في هذا الاطار. الا ان ذلك لا يلغي اهمية النص الذي تضمنته هذه الوثيقة كونها تصدر عن جماعة سياسية تتفاعل بقوة طائفيا وسياسيا مع ما يجري في الدول العربية ويفترض ان تشكل مواقفها نوعا من اساس يمكن ان تلجأ اليه الشعوب العربية استلهاما لمضامين سياسية تبحث عنها في الخارج من اجل الارتكاز على نماذج واقعية للمستقبل وخصوصا في لبنان. كما من المفيد ان تحدد هذه الجماعة موقعها وموقفها لكي يتم البناء على اساسه كونه اساسيا في هذا الاطار الى جانب مواقع ومواقف التيارات الاخرى التي يحتاج الوضع اللبناني الى معرفة طبيعتها خصوصا الشيعية منها والمسيحية خصوصا. اذ ان الطائفة الشيعية باتت تكتفي غالبا بالمواقف المعلنة للامين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله في حين ان التحولات العربية تحتاج الى ابعد من ذلك في ظل علامات استفهام كبيرة تحوط برؤية الحزب ونظرته لمستقبل البلد في ضوء ما يجري على رغم اقتناع كثر بان الوضع قد يكون مبكرا في ظل انتظار ممض للوضع في سوريا وما سيؤول اليه. وهو الامر الذي ينسحب على المسيحيين ايضا كونهم يفتقدون الى وثيقة موحدة حول رؤيتهم مع الاقرار بان للاحزاب المسيحية في قوى 14 اذار ايجابية في تزخيم حركتها المباشرة وعبر هذه القوى في هذا الاتجاه. وهذه القوى على المستوى السياسي اكثر زخما من قوى 8 اذار لجهة تقديم مبادىء وثوابت للبنان الحاضر والمستقبل. وتكتسب وثيقة المستقبل اهمية من كونها تستند الى ان لبنان كان نموذجا لما جرى ويجري في المنطقة في اوقات متفاوتة للحروب الاهلية التي تلبننت في العراق ومناطق اخرى ثم للحلول التي قامت على صيغ توافقية تجمع كل الطوائف مثلما هي الحال في لبنان. كما ان هذه الجماعة السياسية التي يمثلها التيار والتي وان كانت تضم لبنانيين من مختلف الطوائف تغلب عليها سياسيا طائفة معينة تحاكي الوضع المستقبلي في لبنان على ضوء ما يجري من ثورات في الدول العربية. فالنأي بالنفس يمكن ان يعتمد من ضمن رؤية لتطور الوضع في العالم العربي من اجل عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول لكنه لا يمكن ان يعتمد حين تكون المسائل المطروحة على المحك اخلاقية وانسانية تتعلق بمسائل حساسة مصيرية تتناول حياة الشعوب في حقوقهم الطبيعية.
لم تخل الوثيقة من ثوابت معروفة لدى تيار المستقبل وسبق ان كررها في مناسبات عدة حول العلاقات السنية الشيعية وضررة نبذ الفتنة وواقع المسيحيين في المنطقة كشركاء وليس انصاف شركاء بما يرد مباشرة على الهواجس التي يثيرها البطريرك الماروني بشارة الراعي الى حد يراه كثر تخويفا في غير محله من المستقبل السوري او العربي على وضع المسيحيين في لبنان او المنطقة كما حول مد اليد الى الشركاء الاخرين. الا ان اهمية هذه المواقف المكررة انها تأتي في الاطار الاكبر والاعم لما يجري في المنطقة. ولا يمكن ان تكون هذه المواقف اقل مما اتى على السنة سلفيين او مسؤولين في الاخوان المسلمين خصوصا متى كان تيار المستقبل هو تيار اعتدال انما تلتقي المواقف هذه جميعها من اجل تأكيد موقف واقتناع واحد يمكن ان يفيد. وهذا امر قد يثير التباسا على رغم جديته وصدقيته كون الضمانات الحقيقية للطوائف المسيحية واوضاعهم في منطقة لا تحسمها النيات او انها تتخطى احيانا الرغبات الصادقة لافرقاء كثر محليين او حتى دوليين بحيث تكون الاقليات ضحية نزاعات كبيرة بحيث لا يملك احد ان يطمئن المخاوف التي تساورها في العمق ما لم تتلاق جهود من اكثر من اتجاه اقليمي ودولي وميداني. وهذا قد يحتاج الى سعي اكثر من فريق لبناني تبعا لعلاقاته الدولية. والاسئلة نفسها تساور مد التيار يده الى الشركاء الاخرين وباي معنى يقصدها وفي اي اتجاه وهو رافض لحوار لا يضع سلاح “حزب الله” على الطاولة للنقاش فيما الاخير ينتظر تداعيات الثورة السورية. وهل ان الوضع الراهن بمعطياته الحاضرة هو وضع متوازن ومتعادل بين القوى السياسية بما يسمح لبدء نقاش افكار ولو من بعيد اذا كانت طاولة الحوار متعثرة وغير ممكنة راهنا ام ان الوقت مبكر ايضا حتى امام نقاش افكار.