كتب شارل جبّور في صحيفة "الجمهورية": قد تعيد المملكة العربية السعودية الوصل مع رئيس الحكومة نجيب ميقاتي ورئيس «جبهة النضال الوطني» وليد جنبلاط، إنّما السؤال الأهمّ: ما الثمن الذي تريده مقابل ذلك؟
شكّلت السعودية تاريخيّاً مرجعية معنوية لأهل السنّة في لبنان، في موازاة المرجعية السياسية لمصر عبد الناصر وسوريا الأسد، ولكن مع انكفاء الدور المصري وأفول الدور السوري لم يبقَ في المعترك إلّا المملكة التي وجدت نفسها بعد سقوط نظامي طالبان وصدّام أمام تمدّد شيعيّ فرض عليها الانتقال إلى الموقع المبادر وليس فقط المتلقّي أو الساعي إلى بلورة تسويات، على غرار اتّفاق الطائف، إنّما غير القادر على حماية هذه التسويات ورعاية تطبيقها.
وإذا كان أحد من اللبنانيّين لا يستطيع أن ينكر على المملكة فضلها في تسوية الطائف التي أنهت الحرب الأهليّة على أساس ميثاق وطنيّ أدّى إلى حسم نقاط الاختلاف وفتح الباب أمام تطوير بنية الدولة باتّجاه الدولة المدنية، فإنّ المأخذ على المملكة يكمن في تسليمها، ولو على مضض ومن الموقع غير المؤثّر في تغيير المعادلة الدولية، بالانقلاب على الاتّفاق الذي رعته، الأمر الذي مكّن دمشق من إطباق وصايتها على القرار الوطني اللبناني.
ولكن من الواضح أنّ الهمّ السعودي في حقبة ما بعد العام 2003 انتقل نحو البحث في السبل الآيلة إلى مواجهة النفوذ الإيراني، وأدّى اغتيال الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط 2005 إلى دخول المملكة بقوّة إلى الساحة اللبنانية، هذه الساحة التي شهدت تجاذبا قويّا بين دمشق والرياض، حيث سعت الأولى إلى إخراج الثانية من المعادلة اللبنانية التي تعتبرها حكراً عليها، وذلك بدءاً من أحداث 7 أيّار 2008 وصولاً إلى إسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري، واستطراداً "السين-سين".
إلّا أنّ النتيجة الأوّلية للثورات العربية تمثّلت بانشغال مصر بأوضاعها الداخلية وانخراط النظام السوري في حرب داخلية قضت على دوره الإقليمي، والمرشّحة أن تقضي على النظام برُمّته، الأمر الذي يخلي الساحة العربية عموماً واللبنانية خصوصاً أمام النفوذ السعودي في مواجهة النفوذ الإيراني، أمّا الفارق بين النفوذين فهو أنّ الرياض داعم أساسيّ لمشروع الدولة في لبنان، فيما طهران داعم أساسيّ لمشروع الدويلة في لبنان.
ولكن بمعزل عن المواجهة الدولية والعربية مع إيران تبقى العبرة في انتفاء دورَي مصر وسوريا، وتحوّل السعودية إلى المرجعية الوحيدة للسنّة في لبنان، والمرجعية العربية التي تدعم قوى 14 آذار في مواجهة 8 آذار وامتداداتهم الخارجية.
ومن هنا حاجة ما يسمّى القوى الوسطية إلى الانفتاح على السعودية من أجل زيادة وزنها وتأثيرها في المعادلة السياسية، خصوصا في ظلّ الاستياء السعودي من ميقاتي وجنبلاط نتيجة انقلابهما على الحريري واستخدامهما الرافعة الإيرانيّة لتشكيل الحكومة الميقاتية. فما ارتكبه الرجلان يُعتبر في حسابات المملكة خطيئة وليس مجرّد خطأ، لأنّهما استظلّا الدولة التي تريد خطف القرارين اللبناني والعربي، ولكنّ تطوّرات الأزمة السوريّة وتبديل رئيسي الحكومة والاشتراكي مواقفهما أدّى إلى حلحلة مهمّة على هذا المستوى.
لا شكّ أنّ هناك تمييزاً ولو نسبيّا بين جنبلاط وميقاتي على أساس أنّ الوضع مع الأخير يدخل ضمن حسابات وتوازنات سنّية، إلّا أنّ المملكة تريد أن تكون الحاضنة لكلّ القوى السنّية مع امتيازات واضحة للحريري. وفي هذا السياق تدخل محاولات رئيس الحكومة الظهور بمظهر المدافع الشرس عن صلاحيّات رئاسة الحكومة وأولويّات الطائفة من أجل تجاوز "الخطيئة الأصلية" وإعادة وصل ما انقطع مع المملكة التي باتت تدرك جيّداً أنّ "ورقتي" الرجلين أصبحتا في يدها.
ولكن ماذا تنتظر المملكة من أجل الربط مجدّداً مع رئيسَي الحكومة والاشتراكي؟ تنتظر التوقيت المناسب فقط، لأنّ الربط الفعليّ يعني سقوط الحكومة وإعادة خلط الأوراق السياسية رأساً على عقب، ولا يبدو أنّها ترى بأنّ اللحظة المناسبة قد نضجت بعد، كونها تعتبر أنّ أيّ تغيير اليوم قد يعطي النظام المتهاوي في دمشق الفرصة لتفجير الأوضاع اللبنانية، فيما تريد الرياض أن يشكّل سقوط الحكومة معبراً نحو تثبيت الاستقرار ومفتاحاً للمرحلة الانتقالية التي بإمكانها رعايتها، وليس الإقدام على خطوة تُدخل البلاد في المجهول.
غير أنّ المهمّ أنّ مفتاح إسقاط الحكومة بات في يد المملكة التي تنتظر فقط التوقيت الملائم للدفع باتّجاه هذه الخطوة.