الجمعة الثّالثة من الصّوم الكبير
قراءَّةٌ منَ القدِّيسِ يوحنَّا فمِ الذَّهب (+407) أَلصَّلاةُ نورُ النَّفس (العظة السَّادسة، في الصَّلاة)
أَلخيرُ الأَعظمُ هو الصَّلاة، أَي التَّكلُّمُ بدالَّةٍ معَ الله. أَلصَّلاةُ علاقةٌ بٱللهِ وٱتَّحادٌ بهِ. وكما عينَي الجسدِ تُضاءَانِ عندَ رُؤْيَةِ النُّور، كذٰلِكَ النَّفسُ الباحثَةُ عنِ اللهِ تستنيرُ بنورِهِ غيرِ الموصوف. ليستِ الصَّلاةُ مظهرًا خارجيًّا، بل منَ القلبِ تنبع. لا تُحصرُ بساعاتٍ وأَوقاتٍ معيَّنة، بل هي في نشاطٍ مستمرٍّ ليلَ نهار. فلا يكفي أَن نُوجِّهَ أَفكارَنا إِلى اللهِ وقتَ الصَّلاةِ فقط، بل يجدرُ بنا أَن نمزُجَ هٰذهِ الأَفكارَ بذكرِ اللهِ تعالى، حينَ نكونُ مشغولينَ بأُمورٍ أُخرى، كٱلعنايَةِ بٱلفقراءِ والعملِ الصَّالح، لكي نُقدِّمَ لسيِّدِ الكونِ غذاءً شهيًّا مُصلحًا بملحِ محبَّةِ الله.
أَلصَّلاةُ نورُ النَّفس، أَلمعرفَةُ الحقيقيَّةُ لله، أَلوسيطَةُ بينَ اللهِ والإِنسان. بها ترتفِعُ النَّفسُ إِلى السَّماء، كرضيعٍ معَ أَمِّه.تصرخُ الصَّلاةُ إِلى اللهِ، باكية، عطشى إِلى اللَّبنِ الإِلٰهيّ. وإِذ ما تُظهرُ أَشواقَها الحميمة، تتقبَّلُ منَ اللهِ هدايا أَرفعَ من كلِّ طبيعةٍ منظورة. أَلصَّلاةُ الَّتي بها نتقرَّبُ إِلى اللهِ بٱحترامٍ هي فرحُ القلبِ وراحةُ النَّفس…
أَلصَّلاة تقودُنا إِلى الينبوعِ السَّماويّ، تملأُنا من ذاكَ الشَّراب، وتُجرِي منَّا ينبوعَ ماءٍ ينبعُ للحياةِ الأَبديَّة. أَلصَّلاةُ تُؤَكِّدُ لنا الخيراتِ الآتية، وبٱلإِيمان، تُعَرِّفُنا المعرفَةَ الفُضل للخيراتِ الحاضرةِ. لا تظنَّ أَنَّ الصَّلاةَ تقتصرُ على الكلمات، إِنَّها ٱندفاعٌ إِلى اللهِ، حبٌّ غريبٌ لا يأْتي منَ البشَر، على قولِ الرَّسول: "أَلرُّوحُ أَيضًا يعضُدُ ضَعفَنا، فإِنَّا لا نعلمُ ماذا نُصلِّي كما ينبغي، ولٰكنَّ الرُّوحَ نفسَهُ يشفعُ فينا بأَنَّاتِ لا توصف"…
إِنَّ هٰذهِ الصَّلاة، إِذا وهبَهَا اللهُ لأَحد، تُضحي غنًى لا يُسلَبُ وغذاءً سماويًّا يُشبِعُ النَّفس. منْ ذاقَها مرَّةً، تملَّكَهُ شوقٌ أَبديٌّ إِلى الله، كنارٍ آكلةٍ تُضرمُ القلب.
فدعِ الصَّلاةَ تتفجَّرُ منكَ بملئِها، فتُزَيِّنَ بلطافةٍ وتواضُعٍ مُخدَعَ قلبِكَ وتجعلَهُ ساطعًا بضياءِ الحقّ، مصقولًا بٱلأَعمالِ الصَّالحة.
جمِّل بيتكَ بٱلإِيمانِ والنُّبلِ لا بٱلفسيفسَاء، وضعِ الصَّلاةَ في أَعلى البًنيان فيكتَمِلَ بها. وهٰكذا يُصبِحُ منزِلُكَ أَهلًا استقبالِ الرَّبّ، كأَنَّهُ قصرٌ ملكيّ، أَنتَ الَّذي، بٱلنِّعمَة، تملِكُ الرَّبّ، على نحوٍ ما في هيكلِ نفسِكَ.
الرّسالة: روم 3: 1-7
1 إذًا فما فضلُ اليهوديّ؟ أو ما نفعُ الختانة؟
2 إنّه جزيلٌ، على كلِّ حال! إنّ أوّلَ فضلٍ لهم هو أنّهم ٱئتمنوا على كلامِ الله.
3 فماذا إنْ كانَ بعضهم لم يؤمنوا؟ هل يُبطلُ عدمُ إيمانهم أمانةَ الله؟
4 حاشا! بل صدقَ الله وكذبَ كلُّ إنسان، كما هو مكتوب: "لكي تُبرّرَ في كلامك، وتغلبَ في قضائك".
5 وإنْ كانَ إثمنا يُثبتُ برَّ الله، فماذا نقول؟ أيكونُ الله ظالمًا حينَ يُنزلُ غضبهُ علينا؟ كبشرٍ أقولُ هٰذا!
6 حاشا! وإلّا فكيفَ يدينُ الله العالم؟
7 فإنْ كانَ بكذبي قد ٱزدادَ صِدقُ الله، لمجدهِ، فلماذا أُدانُ أنا بعدُ كإنسانٍ خاطئ؟
شرح آيات الرّسالة:
1 ما فضل اليهوديّ: الشّعب اليهوديّ أسّسه الله له شعبًا خاصًّا، في تاريخ العهد القديم، لكي يُقيمَ منه المسيح المخلّص الموعود لجميع الشّعوب. خان هٰذا الشّعب الوعود، ورفض المسيح، فحاد عن خطّ الخلاص. تلك مشكلة شائكة لإيمان بولس، وإيمان الكنيسة الأولى. يعالجها بولس في (روم 9-11). السّؤالات المتكرّرة في الآيات 3/1-9، تعكس جدالات بولس مع اليهود في مختلف مجامعهم، وهو يحاول إقناعهم بيسوع المسيح، ويدعوهم إلى الإيمان به ليخلصوا.
2 روم 9/4-5؛ تث 4/6-8؛ مز 147/19-20؛ 103/7؛ يو 4/22.
كلام الله: ما قاله الله وأوحى به من وصايا ووعود ونبوءَات. ورُدِّدَت هٰذه اللّفظة، في العهد الجديد، أربع مرّات (روم 3/2؛ رسل 7/38؛ عب 5/12؛ 1 بط 4/11).
3 روم 9/6؛ 11/29؛ مز 89/31-38؛ 100/5؛ 119/89-90؛ هو 1-3؛ 1 يو 1/9؛ رؤ 19/11.
4 مز 116/11؛ 51/6؛ يو 3/33.
صدّق الله: الله ثابت على وعده، أمين لعهده، لا يتغيّر! لٰكنَّ الإنسان متقلّب، وقد يتحوّل إلى كاذب وخائن! (مز 19/10؛ دا 4/37؛ رؤ 3/7؛ 6/10).
5 أي 34/12، 17؛ روم 1/18؛ 6/19؛ غل 3/15.
6 يدين الله العالم: هٰذه الحقيقة، في نظر بولس، تأبى الجدال! مَن يُنكرها يمسي في ضلال! وإن أسهمت الخطيئة أحيانًا في إظهار برّ الله، لأنّ الله باقٍ على صدقه، رغم خطيئة الإنسان، فهي دائمًا في جوهرها خطيئة تستحقّ القصاص، وحكمَ الله العادل الدّيّان.
8 روم 9/19.
فإن كان: وفي مخطوطات "أمّا إن كان"
الإنجيل
لو 12: 16-21
مثل الغنيّ الجاهل
16 وقالَ لهم هٰذا المثل: "رجلٌ غنيٌّ أغلَّتْ له أرضهُ.
17 فراحَ يفكِّرُ في نفسه قائلًا: ماذا أفعل، وليس لديَّ ما أخزُنُ فيه غلاّتي؟
18 ثم قال: سأفعل هٰذا: أهدمُ أهرائي، وأبني أكبرَ منها، وأخزُنُ فيها كلّ حنطتي وخيراتي،
19 وأقولُ لِنفسي: يا نفسي، لكِ خيراتٌ كثيرةٌ مُدّخرةٌ لِسنينَ كثيرة، فٱستريحي، وكُلي، وٱشربي، وتنعّمي!
20 فقال له الله: يا جاهل، في هٰذه اللّلية تُطلبُ منكَ نفسُكَ. وما أعددتَهُ لمن يكون؟
21 هٰكذا هيَ حالُ مَن يدَّخِر لنفسِهِ، ولا يغتني لله".
شرح آيات الإنجيل:
19-20 يع 4/13-15؛ سي 11/19؛ 1 قور 15/32.
22 متّى 6/19-21؛ رؤ 3/17-18.
تهمل مخطوطات هٰذه الآية، وتضيف مخطوطات: "قال يسوع هٰذا وصاح: من له سامعتان فليسمع" (لو 8/8).
ولا يغتني لله: أي لا ينفق غناه في سبيل الله، فيدّخر له كنزًا في السّماء، لا غلّات في الأهراء.
للعلم والخبر، للأمانة والدّقة، نعلن ما يلي:
مرجع نصّيِ الرّسالة والإنجيل: (الكتاب المقدّس، العهد الجديد، التّرجمة اللّيتورجيّة، إعداد اللّجنة الكتابيّة، التّابعة للجنة الشّؤون اللّيتورجيّة البطريركيّة المارونيّة. طبعة ثانية منقّحة – 2007).
مرجع شرح آيات الرّسالة والإنجيل: (الكتاب المقدّس، العهد الجديد، كليّة اللّاهوت الحبريّة جامعة الرّوح القدس – الكسليك 1992).
نقله: فلّاح بكرم الرّبّ.