#dfp #adsense

“المستقبل” يردُّ في الإتّجاهين: الراعي… والأسير!

حجم الخط

بعد ثلاثة أيّام من تظاهرة السلفيّين وموجة الهواجس الجديدة لبطريرك الموارنة، تكلّم "تيار المستقبل": "الأمر لي" في البيت السنّي، وليطمئنّ البطريرك!

منذ انطلاق "الربيع العربي"، والمكوّنات اللبنانيّة غير السنّية ــ أي ما اصطُلِح على تسميته "أقلّيات" في العالم العربي ــ تنتظر ما يطمئنها إلى أنّها لن تكون الوقود الذي سيُدفئ المنتصرين في عملية التغيير الجارية. فالربيع الدافئ قد يتحوّل شتاءً، وفق ما قال البطريرك بشارة الراعي في حديثه إلى "رويترز". وهناك خشية من هيمنة التشدّد السلفي في سوريا بعد التغيير، وانعكاسه على واقع المسيحيّين في سوريا، وتالياً لبنان.

وليس سرّاً أنّ هذه "المكوّنات الأقلّية" كلّها تبني استراتيجياتها على منطق الحماية. فالنظام في سوريا هو نظام أقلّية تَحْكُم أكثرية، وهو يخشى التغيير لأنّه يخشى عواقب ممارسته السلطة ضدّ الأكثرية في المرحلة السابقة. كما أنّ "حزب الله"، حليف النظام، يزرع في وجدان الشيعة مشروعية الاحتفاظ بالسلاح لأنّه يعوّضهم كونهم أقلّية في المنطقة. والذريعة التي يتمسّك بها المسيحيّون المتحالفون مع النظام و"الحزب" هي أيضاً "تلاقي المصالح" بين الأقلّيات المذهبية والدينية لمواجهة هيمنة الغالبية. وإذ يبدو الدروز في اتّجاه مخالف، من خلال دعم النائب وليد جنبلاط للثوّار، فثمّة مَن يعتقد أنّ خصوصيّات تأمين الحماية لدروز سوريا، بعد التغيير، هي التي تستدعي ذلك. فهؤلاء أقلّية محشورة ديموغرافيّاً وجغرافياً في البحر السنّي.

لا مواجهة مع الراعي

من هنا كانت الحاجة إلى وثيقة "تيار المستقبل" والإجابات التي قدّمتها في اتّجاهات مختلفة. فنظريّة "صراع الثقافات" عاشت عليها المنطقة أجيالاً، واستخدمتها الأنظمة للبقاء، مغطّاة بشعارات القومية والصراع مع إسرائيل. وهناك حاجة في لبنان إلى الكثير من الجهد، خصوصاً من جانب "المستقبل" لإثبات أنّ نظرية الصراع بين المكوّنات الثقافية ليست صحيحة، أو أنّ مفاعيلها قد انتهت بانتهاء مستثمريها.

اللافت في الوثيقة أنّها لم تواجِه بطريرك الموارنة، على رغم استهجان البعض لقوله إنّ النظام في سوريا أكثر ديموقراطية من سواه. ولم تُنْكر الوثيقة مبرّرات هواجس البطريرك. فـ"المستقبل" يتحالف مع قوى مسيحية في 14 آذار لا تبتعد كثيراً عن هذه الهواجس. ولا تتجاهل الوثيقة انعكاسات ما تعرّض له المسيحيّون في العراق ومصر، وتبدي تفهّماً لما أثارته من مخاوف. وهذه المقاربة الإيجابية واكبتها سلّة تطمينات من خلال تبنّي وثائق الأزهر التاريخية الثلاث، والتمسّك بالديموقراطية والمناصفة والانفتاح والدولة المدنية والخروج من الدولة الطائفية.

ولعلّ أبرز ما تراهن عليه الوثيقة هو ضرب "الثنائية المتقابلة بين الاستبداد والتطرّف". فسقوط الأوّل سيؤدّي إلى تراجع الثاني. ويقطع "تيار المستقبل" على نفسه عهداً "بالاهتمام والتعاون على تجاوز العوامل الإشكالية المتّصلة بالأصولية والإسلام المتشدّد، والثبات والنضال معاً في نطاق قيم الحرّية والكرامة والمواطنة والدولة المدنية ومبادئها". وهذا التعهّد وجدت فيه قوى سياسية مسيحيّة فرصة يجدر التقاطها وملاقاة أصحابها، لأنّها تؤمّن الحماية للساحة اللبنانية من تأثيرات الداخل السوري، أيّاً كانت.

فتيّار "المستقبل" وجّه من خلال وثيقته، في التوقيت والمضمون، رسالة في ما خصّ زعامته السنّية مفادها أنّه كتيار اعتدال وانفتاح يمتلك مفتاح الطائفة. وهذا ردٌّ على التساؤلات الأخيرة بعد حراك الشيخ أحمد الأسير. كما قدّم التيار إجابات يبحث عنها العديد من المسيحيّين، والبطريرك الراعي في مقدّمهم، حول مدى انعكاس أيّ تغيير للسلطة في سوريا على السلوك السياسي للقوى السنّية في لبنان.

وأظهر تيار "المستقبل" من خلال الوثيقة أنّه "الخيار السنّي" الأفضل، والواجب تشجيعه، حتى لخصومه السياسيّين المسيحيّين والشيعة، بما يمثّل من فرصة للاحتفاظ بشريك قويّ ويمتلك الشرعية الشعبية والاعتدال في زمن النموّ الإقليمي للتيّارات المتشدّدة.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل