السّبت الثّالث من الصّوم الكبير
قراءَّةٌ منَ القدِّيسِ يوحنَّا فمِ الذَّهب (+407) حولَ إِنجيل: "إِجتازَ يسوعُ في السَّبتِ بينَ الزُّروع" (العظة 29)
إِنَّ علينا أَن نتمسَّكَ بأَقوالِ ربِّنا، ونرعَى خلاصَ نفوسِنا، فنكونَ أَهلًا لقبولِ المواهبِ الإِلٰهيَّةِ وإِحرازِ النَّعيمِ الأَبديّ. إِنَّ الَّذينَ كانوا ينظرونَ إِلى تطهيرِ الأَجسامِ والأَواني، وتفضيلِ الأَيَّامِ بٱعتبارِها في ذاتِها، حتَّى بلغَ من جهلِهِم أَن يُنكروا صنيعَ من يفرُكُ يومَ السَّبتِ سُنبُلَةً أَو يشفي مخلَّعًا، فسقطوا عن مراتبِ الفضيلةِ وكانوا خاسرين. فإِنَّهُ يريدُ رحمةً لا ذبيحة. ولهٰذا يلزَمُنا اهتمامُ بمصالحِ النُّفوسِ لا بٱلأَيَّامِ بما هي أَيَّام، ولا بٱلأَشياءِ المجعولَةِ لخدمَةِ النَّاس.
فلا نظُنَّ، أَيُّها النَاس، أَنَّ لنا بأَمرِ الخلاصِ نفعًا في ٱغتصابِ أَموالِاليتامى والأَراملِ وأَمثالهِم، نصنَعُ بها كأْسًا للقربانِ من ذهب، مرصَّعًا بٱلحجارةِ الكريمة، ومائدةً للأَسرارِ المقدَّسةِ وما شاكل. ولٰكن إِن أَردتَ أَن تُكرِّمَ الذَّبيحةَ الطَّاهرة، فأَكرمِ الأَنفسَ الَّتي ذُبِحتْ لأَجلِها، لأَنَّ سيِّدَنا، لهُ المجد، ساوى هٰذهِ الأَنفسَ بنفسِهِ إِذ وبَّخَ الَّذينَ لا يُعنونَ بها؛ قال: جائعًا كنتُ فلم تُطعِمُوني، وعطشانَ فلم تَسقُوني، وعريانًا فلم تَكسُوني. فإِن أَهملتَ هٰذِه، وصنعتَ لتلكَ أَواني من ذهبٍ وفضَّة، فلن تُفيدَ شيئًا.
فلكَ أَقول: لا تصنع للكنيسةِ أَوانيَ ذهبيةً وفضِّيَّةً أَو هياكلَ مزخرفَةً أَو ستورًا ثمينة، بل فكِّر كيفَ تُرضي من أَنتَ لأَجلِهِ صانعٌ ذٰلِكَ. فإِنَّ هٰذا لأَفضلَ منَ الذَّهبِ الخالص. فٱلكنيسةُ ليستْ قاعةَ ملكٍ بلهي محضَرُ الملائكة. تحتاجُ إِلى إِصلاحِ النُّفوسِ لا إِلى الأَواني النَّفيسة. وإِنَّما اللهُ يَرضى العنايةَ بٱلنُّفوسِ لا الأَعراضَ الخارجيَّة. فٱلمائدةُ الَّتي قرَّبَ المسيحُ عليها لم تكنْ من فضَّةٍ، ولا الكأْسُ الَّتي ناولَ تلاميذَهُ بها من ذهب. كان شرَفُها بٱمتلائِها منَ الرُّوحِ الإِلٰهيّ. فإِن أَردتَ أَن تُكرِمَ جسدَ المسيح، فأَكرِمْهُ كما يريدُ هو لا كما تريدُ أَنتَ، لأَنَّ الكرامَةَ إِنَّما تكونُ مقبولةً إِذا وافقتْ غَرَضَ الَّذي تُقدَّمُ لهُ. فإِذا عرفنا ذٰلِكَ، وجبَ علينا أَن نُكْرِمَ المسيحَ الكرامَةَ الَّتي فرضَها هو علينا: أَن نُنفِقَ أَموالَنا على الفقراء، ونَعُولَ الأَيتامَ والأَرامِل. لأَنَّ اللهَ لا ينظُرُ إِلى أَوانيَ من ذهبٍ بل إِلى النُّفوسِ الذَّهبيَّة.
الرّسالة: 2 طيم 3: 1-9
أخطار الأيّام الأخيرة
1 وٱعلَمْ هٰذا: إنّها ستأتي في الأيّامِ الأخيرةِ أوقاتٌ صعبة
2 فيكونُ النّاسُ مُحبِّينَ لأنفسهم، مُحبِّينَ للمال، مُدّعين، مُتكبِّرين، مُجدِّفين، عاقِّينَ للوالدين، ناكرينَ للجميل، منتهكينَ للحُرُمات،
3 بلا حنان، بلا وفاء، مُفتنين، نَهمين، شرسين، مُبغضينَ للصّلاح،
4 خائنين، وقحين، عُميانا بٱلكبرياء، مُحبِّينَ للّذّةِ أكثرَ من حبّهم لله،
5 مُتمسّكينَ بمظهرِ التّقوى، ناكرينَ قوّتها: هٰؤلاءِ النّاسُ أعرِضْ عنهم!
6 فمنهم من يتسلّلونَ إلى البيوت، ويُغوُونَ نساءً ضعيفاتٍ، مُثقلاتٍ بٱلخطايا، منقاداتٍ لشهواتٍ شتّى،
7 يتعلّمنَ دائمًا ولا يُمكنهنَّ البلوغُ إلى معرفةِ ٱلحقّ أبدًا.
8 وكما أنّ ينِّيسَ ويَمبريسَ قاوما موسى، كذٰلكَ هٰؤلاءِ يقاومونَ ٱلحقّ. إنّهم أناسٌ فأسدوا العقل، غيرُ أهلٍ للإيمان.
9 لٰكنّهم لن يتمادوا أكثر، لأنّ حماقتهم ستنكشفُ للجميعِ كما ٱنكشفتْ حماقةُ ينِّيسَ ويُمبريس.
شرح آيات الرّسالة:
1 1 طيم 4/1.
2-4 روم 1/29-31.
3 بلا وفاء: ترجمة أخرى " بلا عهد" اللّفظة اليونانيّة، فريدة العهد الجديد، تعني من كان بلا شفقة، عنيدًا لا يقبل بأيّ معاهدة صلح وسلام.
5 متّى 7/15، 21؛ 24/4، 24؛ روم 2/20؛ طي 1/16؛ قول 2/23.
مظهر التّقوى… قوّتها: المعلّمون الكذّابون أشبه بٱلمتنبّين الّذين حذّر منهم المسيح (متّى 7/15؛ 24/4-5، 24). تعتبر الكتابات الرّؤيويّة القديمة ظهورهم ونشاطهم الإلحاديّ (3/2-4) من علامات الأيّام الأخيرة. إنّ للتّقوى قوّة محوّلة لا يختبرها إلّا المؤمن الحقّ في مشاركته للمسيح.
6 طي 1/11.
7 رسل 17/21؛ 2 طيم 2/25؛ 1 طيم 2/4؛ يو 8/32.
8 خر 7/11، 22؛ 1 طيم 6/5.
ينِّيس ويمبريس: لم يذكر الكتاب أسماء السّحرة في خر 7/11-13، 22. لٰكنّ التّقليد اليهوديّ سمّاهما، وجعلهما تدريجيًّا تلميذين وولدين لبلعام (عدد 22-24)، ورئيسَي قبيلة، وأدخلهما في نطاق الأسطورة، فأمسيا رمزًا إلى الكفر والإلحاد.
غير أهل: ترجمة أخرى "غير ممتحنين" اللّفظة اليونانيّة تعني أنّهم رسبوا في امتحان ولم يُقبَلوا، فهم "مرذولون".
الإنجيل
متّى 12: 1-14
قلعُ السَّنابل يوم السّبت
1 في ذٰلك الوقت ٱجتاز يسوع يوم السَّبت بين الزّروع. وجاع تلاميذه فأخذوا يقلعون سنابل ويأكلون.
2 ورآهم الفرّيسيّون فقالوا ليسوع: "هٰوذا تلاميذكَ يفعلون ما لا يحلُّ فعلهُ يوم السّبت".
3 فقال لهم: "أما قراتم ما فعلهُ داود حين جاع هو والَّذين معهُ؟
4 كيف دخلَ بيت الله، وأكلوا خبزَ التّقدمة الَّذي لا يحلُّ له أكلهُ، ولا للَّذين معه، بل للكهنة وحدهم؟
5 أوَ ما قرأتم في التّوراة أنّ الكهنة، أيّام السّبت، ينتهكون في الهيكل حُرمة السّبت ، ولا ذنبَ عليهم.
6 وأقول لكم: ههُنا أعظمُ من الهيكل!
7 ولو كنتم تعرفون ما معنى: أريد رحمةً لا ذبيحة، لَما حكَمْتم على مَن لا ذنْبَ عليهم!
8 فربُّ السّبت هو ٱبنُ الإنسان.
الشّفاء يوم السّبت
9 وٱنتقل يسوع من هناك، وجاء إلى مجمعهم.
10 وإذا برجُلٍ يدهُ يابسة، فسألوه قائلين: "هل يحِلُّ الشِّفاء يومَ السّبت؟". وكان مُرادَهم أن يشكوه.
11 فقال لهم: أيُّ رجُلٍ منكم يكون له خروفٌ واحد، فإن سقطَ يوم السّبت في حُفرة، ألا يُمسكهُ ويُقيمه؟
12 وكم الإنسانُ أفضلُ من خروف. فعَمَلُ الخير إذًا يحلُّ يوم السّبت".
13 حينئذٍ قال للرّجُل: "مُدَّ يدَكَ". ومدَّها فعادت صحيحةً كاليد الأخرى.
14 وخرج الفرّيسيّون فتشاوروا عليه ليُهلكوه.
شرح آيات الإنجيل:
1 تث 23/25-26.
السّبت: تكثر الجدالات في شريعة السّبت (12/9-14؛ لو 13/10-17؛ 14/1-6؛ يو 5/1-18؛ 7/19-24)، وفيها يظهر سلطان يسوع على الشّريعة عامّة، وعلى شريعة السّبت، كما يفهمها الفرّيسيّون، خاصّة (12/8).
2 خر 20/8-10؛ تث 5/14؛ عد 15/32-36؛ لو 13/14.
السّبت: يُسمح، يومَ السّبت، بقطف السّنبل وأكله (تث 23/26). ولٰكنّ علماء الشّريعة منعوا القيام بذٰلك (خر34/21). يستند جواب يسوع إلى نصوص كتابيّة (1 صم 21/2-7؛ عد 28/9؛ هو 6/6).
3 1 صم 21/1-7.
4 أح 24/5-9.
للكهنة وحدهم: إشارة إلى الحدث الوارد في (1 صم 21/2-7)، وإلى فرائض الشّريعة (أح 24/5-9).
5 عد 2/9-10.
ولا ذنب عليهم: يقوم الكهنة بخدمة الهيكل، يوم السّبت، يوم يجتمع الشّعب للعبادة والصّلاة، بل يزداد عملهم ذٰلك اليوم (أح 24/8؛ عد 28/9).
6 متّى 12/41-42؛ لو 11/31-32.
7 متّى 9/13؛ هو 6/6؛ 1 صم 15/22.
8 يو 5/16-17.
10 لو 14/3؛ 20/20؛ يو 8/6.
الشّفاء: حرّم علماء الشّريعة العناية بٱلمرضى، يوم السّبت، ما لم يكونوا في خطر الموت.
11 لو 14/5.
12 متّى 6/26؛ 10/31؛ لو 12/7، 24؛ 13/16؛ يو 5/9؛ 7/23؛ 9/14.
15 متّى 27/1؛ مر 11/18؛ لو 19/47؛ يو 5/18؛ 11/53.
للعلم والخبر، للأمانة والدّقة، نعلن ما يلي:
مرجع نصّيِ الرّسالة والإنجيل: (الكتاب المقدّس، العهد الجديد، التّرجمة اللّيتورجيّة، إعداد اللّجنة الكتابيّة، التّابعة للجنة الشّؤون اللّيتورجيّة البطريركيّة المارونيّة. طبعة ثانية منقّحة – 2007).
مرجع شرح آيات الرّسالة والإنجيل: (الكتاب المقدّس، العهد الجديد، كليّة اللّاهوت الحبريّة جامعة الرّوح القدس – الكسليك 1992).
نقله: فلّاح بكرم الرّبّ.