#dfp #adsense

موقف البطريركية “يكون ما يجب أن يكون عليه”!

حجم الخط

في كل مرة يتحدث فيها غبطة البطريرك بشارة الراعي في السياسة السورية يترك استياءً كبيراً في الأوساط اللبنانية عامة وفي الاوساط المسيحية والمارونية منها تحديداً، كما يترك عاصفةً من التعليقات والردود على صفحات التواصل الاجتماعي كانت البطريركية المارونية كموقع وطني حتى الأمس القريب في غنى عنها. وهذه الاوساط لم تكد تنسى التصريحات التي كان قد أطلقها غبطته منذ اشهر قليلة حول سلاح حزب الله وسوريا في العاصمة الفرنسية وخلال جولاته الرعوية في الجنوب اللبناني ومنطقة بعلبك، اذ ظنّت هذه الاوساط أن هذه أحاديث ظرفية هدف من خلالها البطريرك الى ارضاء الاطراف النافذة في المناطق التي قام بزيارتها علماً أن البطريرك لا يسعى الى ارضاء أحد على حساب الثوابت.

وظنّ البعض أن تسارع الاحداث حينها حدا بالبطريرك الى اتّخاذ مواقف عفوية نظراً الى حداثة عهده في منصبه كبطريرك وافتقاره الى الخبرة والتأني الذي كان يتمتع بها سلفه.

أما البعض الآخر فقد اعتبر أن خوف البطريرك من الاكثريات التي تتجه الى تولي سدة الحكم وتأخذ مكان الانظمة المتهاوية هو السبب الحقيقي لمواقفه.

وهنا نشير الى ان العديد من النخب المارونية قد نأت بنفسها عن الرد على تصريحاته حرصاُ منها على موقع البطريركية المارونية.

ولكن مهما كانت التبريرات يبدو أن صاحب الغبطة يضع نفسه يوماً بعد يوم في مواجهة أبناء رعيته بعد ان وضع نفسه في مواجهة الملايين من العرب عموماً والمعذّبين من الشعب السوري خصوصاً.

وهنا لا بدّ من التساؤل عن الفوائد التي أنتجتها سياسة غبطة البطريرك الراعي؟

اذا كان الهدف منها ارضاء نظام البعث في سوريا وارضاء آله وصحبه في لبنان، فقد أصبح سيد بكركي في مواجهة حتمية مع كل الشرائح المسيحية المعادية لهذه المنظزمة والتي كانت من ضحاياها.

واذا كان كلامه نابعاً من قناعة ذاتية أو من تحليل للأحداث، فهو يكون قد دخل الصراع طرفاً وسيواجه من قبل رعيته بمعارضة شرسة لا هوادة فيها. فالقاصي والداني يعرف انه ناهيك عن الدفاع عن القيم المسيحية التي تتشبث بها ابناء الكنيسة المارونية السريانية الانطاكية وفي طليعتها حرية الانسان وكرامته، هناك رغبة مسيحية بمعاقبة هذا النظام، وليس أبداً الثأر منه. فمن اعتقل وضرب وعذّب وأهينت كرامته في سجون "الردع" وغرف التحقيق المظلمة من عنجر الى البوريفاج مروراً بجميع المراكز في كل قرية وبلدة مسيحية لم –وربما- لن ينسى مآثر النظام "الاقرب الى الديمقراطية" (كما ورد على لسان البطريرك). كما ان الامهات الثكالى اللواتي لم يخلعن لباسهنّ الأسود حتى هذه الساعة حداداً على أبنائهنّ الذين قتلوا بكل دم بارد على الطرقات وداخل المنازل لم يرين شيئاً من هذا القرب من الديمقراطية التي يتحدث عنها بطريركهنّ الانطاكي.

لقد حاول البطريرك مراراً وتكراراً الظهور بمظهر الأب الجامع والموحد لكل مشارب طائفته، وحاول اختصار علمانييها وسياسييها ورجال دينها تحت شعار لمّ الشمل ورصّ الصفوف وانهاء التشرذم، وقد ظهر ذلك في عدّة محطات لعل أبرزها في الاجتماعات حول قانون الانتخاب أو ملف بيع وشراء الاراضي. وهنا تزيد علامات الاستفهام حول اداء غبطته، فهل نجتمع حول التكتيك وننقسم حول الاستراتيجية؟ فهل من الحكمة طمأنة أبنائه بقوانين انتخابية واعادة عقار من هنا وقطعة أرض من هناك؟

فغبطته يعرف جيداً مهندسي الحروب الطائفيّة والحروب اللبنانيّة- الفلسطينيّة والحروب المذهبيّة والحروب بين أبناء كلّ فريق. كما يعرف أنّ القبضة المخابراتيّة والأمنيّة التي خنقت لبنان طوال عقود هي التي سهّلت اغتيال العديد من أبنائه من قادة وشباب الموارنة وزوّرت المصطلحات الدستوريّة والسياسيّة، وعوّدت الحياة السياسيّة في لبنان على السجون والمنافي والمعتقلات والمخطوفين والمفقودين والبرلمانات والحكومات المعلّبة، وهو يدرك جيّداً أنّ ضمور الحضور المسيحي في لبنان ومختلف مؤسّسات الدولة اللبنانيّة كان نتيجة تلك القبضة.

يعتبر الموارنة في لبنان أنفسهم طلائع النهضة العربية، والنهضويّون لا يأنسون إلى الأنظمة التوتاليتاريّة. فهم أوّل من دكّ حصون الأنظمة الشموليّة وأوّل من قارع الاستعمار وأوّل من تصدّى لتوسّع وجرائم الصهيونيّة وأوّل من واجه الاستبداد والظلم، وربّما كان للمسيحيّين أن يشهدوا للمسيح وللحق والحقيقة جلجلةً وصلباً وقيامة. وهؤلاء لن يرضوا أن يكونوا أغناماً ترعى وتجترّ في ظلال أنظمة الاستبداد أينما وُجدت. فهل المنطق الأقلّوي يحمي المسيحيّين من المتغيّرات الإقليميّة والدوليّة؟

واذا كانت للسيد البطريرك مخاوف وهواجس فلما لا يعتمد سياسة "النأي بالنفس" الرائجة اليوم؟ وما الفائدة من اقحام الكنيسة المارونية في الشأن السوري ووضعها في مواجهة الملايين؟ فهل هذه المواجهة تطمئن المسيحيين الذين يخاف عليهم البطريرك؟

ولماذا لا يعطي أجوبة مختصرة ومعبّرة لا تورطه ولا تورط رعيته كما فعل سلفه البطريرك صفير في مطار بيروت اثر عودته من زيارته الى الولايات المتحدة قبل جلاء الجيش السوري عن لبنان؟ يومها سأله أحد الصحافيين كيف يرى انه يجب أن تكون العلاقة مع سوريا فأجاب البطريرك: "ان العلاقة مع سوريا يجب أن تكون ما يجب أن تكون عليه." يومها عرف الكلّ عرف ما كان يعني البطريرك.

فاذا أراد صاحب الغبطة الذي يشارف على انهاء عامه الاول في السدة البطريركية بعد ايام قليلة ان يخرج ويخرج طائفته معه من الازمات المتلاحقة ومن الاصطفافات، وأن يحفظ القليل المتبقي من الاجماع حوله، عليه أن يقتنع بوجوب التشبث بقيم الكنيسة التي تشهد للحق ولحقوق البشر في الحرية والكرامة الانسانية والسلام، والوقوف في صف المظلومين والمعذبين والمساكين ومقارعة الظلم وآلة القتل لأن موقف البطريركية المارونية يجب ان يكون "ما يجب أن يكون عليه".

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل