#dfp #adsense

هل انتهت فكرة “أبدية” الواصلين إلى السلطة؟

حجم الخط

على مدى ستة عقود (ومن قبل أيضاً) كان لنا أن نواكب أنماطاً من الأفكار والاقتناعات ساهمت في تكريس البنى والأنظمة السياسية والحزبية والثقافية والأدبية وحتى الفنية. ويمكن اختزال ذلك، وإن بشيء من الحذر، في عبارة "إيديولوجيا". لقد اكتسبنا، من خلال الظواهر المتعددة التي أنجبها القرن العشرون معاني "دينية" الأصول، قائمة على "التمسك" بالثبات والجمود، تحت مظلة ما رفع من شعارات ويافطات "من الأبد إلى الأبد".. وهذه "المقولة" تعني أن ما يبقى سيبقى، وان كل الظروف تخدمه ليبقى، وأن ما يبقى ليبقى يصب في "خانة" الخلود، ضمن معايير قومية أو أدبية وسياسية. وهذا بالذات ما ترك المجال مفتوحاً لظهور الأيديولوجيات النهائية الصالحة لكل مكان وزمان. وهذا ما ادى إلى بروز الظواهر الايديولوجية التي ترى أن حركة التاريخ واحدة، ودوافعها واحدة، وأبنيتها واحدة، ومصائرها واحدة. حركة تاريخ مستقيمة "تتقدم" ولا تزيح، ولا تتلعثم، ولا تخطئ، ولا تنتقد ذاتها. وأفكار مقولبة مقدسة، منغلقة، ترفض ما يقابلها أو ما يخالفها، سواء كانت عنصرية (النازية، الصهيونية، الفاشية) أو أممية (أحادية) كالستالينية، أو القومية بتوجهاتها الشتى. كل هذه تحمل سمات "البقاء". ولأنها ثورات، فهي تنفي ما قبلها وما بعدها. هي "سفر" التكوين وهي "الجنة" ، أو "الجحيم". فنزعة "النفي" التي تتناقض حتى مع فكرة "التاريخ" والجغرافيا والمجتمع تعمل على امتصاص كل ما يجاورها أو يباعدها في نسائج تشبهها، أبدية، واحدية، نبوئية، وإن ادعى بعضهم اعتماد "الجدلية" و"التفاعلية" و"الحوارية"… فهذه كلها تستخدم "كأدوات" (وليس كمصطلحات) لتمكين النفي وليس لفتح مجاز الاحتمالات والمفاجآت.

وهذا بالذات ما عزّز فكرة أن كل نظام عربي قام، بالثورة الانقلاب الانتفاضة، صار في عداد "الخالدين". بل صار "طبيعة" "تاريخية" وحزبية ثابتة ولازبة مستمرة. طبيعة لا تتطبع إلاّ من ذاتها. ذات تقوقعت حول ذاتها. ذات تقدس ذاتها. إيحاءات مفرغة إلاّ من قوتها. ومن تاريخها. إنها فكرة "الأبدية" المتأبدة. ولهذا كان أمراً اعتيادياً الوصول إلى هذه الفكرة عبر التوريث. عبر الحزب الذي يرث نفسه والإبن الذي يرث أباه. والعائلة التي ترث العائلة، باعتبارها انضمت إلى "غابة" الانساب الخالدة.

والغريب، (ربما) اننا ورثنا (قسراً أو طوعاً أو خوفاً أو تطوعاً) هذه الفكرة "المتأبدة عن الأمور والحكام والأنظمة والأحزاب. وبتنا (لا شعورياً؟) ننظر إلى كل ما هو جديد في أحوال الحكم والسلطة والدول وكأنه لازب أبدي. وعندما اندلعت الثورات العربية فوجئنا وذهلنا من هذه العواصف غير المنتظرة.

ومنّا من سماها "معجزة" أو "أعجوبة" أو "أسطورة" جديدة. وكأن الأمور تفوق قدرة عقولنا على التفسير وحتى على التكيف وحتى على التصديق: كيف يمكن تغيير ما هو غير قابل للتغير؟ كيف يمكن "تحطيم" الأبدي باللحظوي. الساكن بالثائر. الثابت بالمتغير؟ لكن "الجنون" الجميل الآتي من الأعماق جرفنا إلى الضفاف الأخرى. وضعنا في ميادين وأمكنة ما كنّا لنتصورها: الشعب الذي كان في الهوامش صار في المتون. فجأة أحس كل واحد منا انه خرج من النوافل إلى المتون. من الأبد إلى اللحظة المتفجرة. وهذا ما حدث أولاً في "ثورة الأرز" عندما أجبرت الانتفاضة الشعبية السلمية إثر اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري الوصاية السورية بجيوشها على الجلاء من لبنان. كأنه "عيد الجلاء الثاني "بعد جلاء" الاستعمار الفرنسي عن لبنان. (وهذا أيضاً ما كاد يحدث في إيران في الثورة الخضراء لولا القمع الفاشي لنظام ولاية الفقيه "الأبدي"!). وعندما اندلعت الثورة في تونس، تجددت "الدهشة": امن المعقول ان يسقط الطاغية بن علي بهذه السهولة أيجوز أن يخلع هذا "الأبدي" الخالد بسلالته (زوجته وأخوتها…وزبانيته) بأقل من أسبوعين. أين فكرة الأبدية وتجسيداتها الإلهية في هؤلاء الطغاة؟ وبعد تونس مصر: وانهيار مبارك وانتصار الميادين وشبابها وقواها. ثم ليبيا والنهاية المروعة القاصفة القاصمة "للزعيم الخالد" . فجأة اهتزت فكرة الخلود. اهتزت القامات الضاربة في شجرة الأنساب المتأبدة. ولا ننسى اليمن…. وصولاً إلى سوريا الثائرة بأطفالها وشيبها وشبابها ونسائها على هذا الطغيان والقتل والعائلة "المستملكة"، اهتزت إذاً الثوابت التي تعزز كحقائق تاريخية وبيولوجية (خير خلف لخير سلف بالسلاح) وجغرافية وحزبية، لكن، مع هذا بقينا أو بقي جزء منا "خاضعاً" لتلك الأفكار حتى بعد الربيع العربي. يعني أن من يتسنم السلطة سيبقى "من الأبد إلى الأبد" غافلين عن الظواهر المكتسبة الجديدة التي انجزتها الثورات العربية، وتتلخص بالديموقراطية وتحرير الأمكنة والتعبير والتعدد والانتخابات وتداول السلطة: انها في الواقع أمور جديدة كأنما لم نتعودها. بل كأن الثورات استبدلت "أبديين" بأبديين… ففي لبنان نسي كثيرون أن ثورة الأرز حررت الأمكنة من قبضة القمع وصار بمقدور أي طرف أن يتظاهر أو يعتصم. ونسي كثيرون أن "التعددية" (على الرغم من سلاح حزب الله واتباعه وأولياء أموره في الخارج)، فرضت نفسها… وحتى عندما قام حزب السلاح الإيراني السوري في لبنان بانقلابه على الحكومة، وجد نفسه عاجزاً ليس عن إدارة البلاد (وحده) بل عن إدارة حتى ضواحيه! فالأمور لم تعد محسومة بيد واحدة، صار هناك معارضة وقوية. نسي الكثيرون هذه الحقائق الجديدة، وحسبوا ان اغتصاب حزب الله السلطة عبر حكومة "القمصان السود" سيدوم إلى الأبد. عدنا إلى فكرة "الأبدية" وان سلاحه سيبقى مشهوراً على اللبنانيين إلى الأبد! وان تسلطه سيبقى على عنفوانه إلى الأبد. لكن الأمور بدأت تختلف على الأرض. لأن فكرة "الأبدية" (الألوهية الشخصانية) صارت في قاع ما قبل الربيع العربي!

وعندما نجح "الإسلاميون" في الانتخابات في تونس ومصر وقع بعضهم في "الفخاخ" الماضية: ان هؤلاء إذا وصلوا إلى السلطة، فسيبقون إلى الأبد (كأسلافهم الطغاة) متجاوزين بذلك مفهوم "المراحل" (فالأبد لا يعرف المراحل لأنه يستقر في مرحلة واحدة: هذه هي الشمولية أو الدكتاتورية) متجاوزين حتى "روح" الثورة العربية التي انجبت حقائق جديدة. كأنهم يتعاملون مع الزمن الجديد بعقول قديمة (تماماً كما يريد بعض الأصوليين ان يتعاملوا مع هذه الحقائق بعقول قديمة، أي وقعنا في الفكرة السلفية الدينية (مسيحية وإسلامية) أو الأيديولوجية اوالعنصرية: السياسة جوهرها لا يتغير. فقط تبدّل الأقنعة!). وها هم الأخوان في مصر وزملاؤهم في تونس غير قادرين على الحكم وحدهم. لأن زمن الحاكم الواحد قد مضى، وأن زمن الحزب "الخالد" حزب الشعب والأمة والتاريخ قد اندثر…

فلا في لبنان حزب الله والوصايتان من خلفه مالاً وسلاحاً و"معنويات" (الهية) قادر وحده على الحكم ولا الأخوان والسلفيون في مصر وتونس. وهذا يعني على المدى المقبل أن ما يجري اليوم هو مرحلة من الربيع العربي وليس "المرحلة". وان من "نجح" اليوم في الانتخابات قد لن ينجح غداً. وان من اكتسح صناديق الاقتراع في أول انتخابات قد… لن يكتسحها غداَ. ومن كان في المعارضة، أمس، سيكون في صفوف الحكم غداً، لأن العالم العربي سينتقل من فكرة الثورة إلى فكرة السياسة أو الاثنتين معاً. أي فكرة التغيير. أي فكرة الحرية. أي الديموقراطية. فلا الثورة تصنع مرة واحدة وإلى الأبد. ولا الديموقراطية تمارس مرة واحدة. ولا التغيير يحدث مرة واحدة، كما كنّا لدى الأنظمة التوتاليتارية "الجامدة". وهذا يعني لا الأنظمة ثابتة بقوانينها وأعرافها وتقاليدها، ولا الشعب موضوع في خانة "الثابت". في الأنظمة الشمولية تقوم علاقة ثابتة دائمة بين النظام "الدائم" جموده، وبين الشعب الدائم تجميده. والعلاقة بينهما محكومة ضمن هذا الإطار بالتكلس. لا علاقة بين الفوق والتحت. لأنهما منفصلان في سبل الاختيار والإرادة والرغبة. الديمومة، وهي صفة دينية "أبدية" تجعل من كل الأزمان زمناًَ واحداً مغلقاً وتسحق كل ما يتململ أو يتحرك في هذا الخيط الخطي. فالشعب يجب ان يكون مثالاً للحاكم، أو للأب الأكبر، ومتشبهاً به لكي يكون التساوق القسري بالقوة والعنف وسيلة لاستفراده وامتصاص كل رغبة في الاختلاف. تحت سلطة الحزب أو القائد. ومن شروط هذه "الوحدة" ان تبقى شمولية النزعة، بلا نتوءات، ولا "انحراف" ولا صوت إلاّ الصوت "الشمولي" السائد.

هذا الزمن السادر، القابل، بات غير مقبول، اليوم. والذين يحسبون أن قواعد الحكم، أياً يكن الفائز في هذه الانتخابات أو تلك، ستكون مستنسخة عن الماضي. فإنهم واهمون، ومعاييرهم على الراهن مستلة من الزمن "القديم". ونحن نعرف ان اهل الثورة المضادة "حتى من الذين لعبوا لعبة الربيع العربي سيروجون لهذه الأفكار من باب اننا كالمستجير من النار بالرمضاء" أي كالمستجير من الأنظمة الدكتاتورية "المتساقطة" بدكتاتوريات دينية أدهى وأشد وأثقل وأقمع وأكثر شمولية وأيديولوجية. هذه الإحساسات قد تكون مشروعة و"منطقية" وواقعة إذا ما تركت القوى الشبابية والليبرالية والتغييرية والديموقراطية الأمور على غاربها في أيدي هؤلاء، كما فعلت على امتداد نصف قرن. وهذا يعني أن على هذه القوى بطبقاتها وشرائحها وتنويعاتها الانخراط في العمل التغييري ضمن أطر حزبية أو حركية أو ثقافية او ابداعية أو نقابية، انخراطاً يومياً حياً متجردة من خطابها الفوقي الجاهز، وداخلة في خضم الاعتمالات الاجتماعية الشعبية بكل أنواعها. وكلنا يذكر أن فلاسفتنا ومناطقتنا ومفكرينا في العقود الماضية، إما تحولوا "فقهاء" أو "لاهوتيين" مماشين الموجات المذهبية والدينية المتعاقبة، وإما منعزلين في أعمالهم داخل الصروح الجامعية والاعلامية. في الوقت الذي تحول فيه الفقهاء واللاهوتيون سياسيين فيا للغرابة! هذه العزلة هي التي تركت الساحة للقوى غير المدنية وللأصوليات من الجهات الشتى وانتصار الخطاب الغيبي. كأنما كان مفكرونا وكتابنا يتوجهون بأعمالهم إلى بعضم في دوائر غير مقروءة، وغير مرئية. ولهذا نظن أن الفلسفة والعلوم والكتابات يجب أن تلعب أدواراً "اجتماعية" وسياسية تتأثر وتؤثر في البيئات الجماعية وفي تكوين العقول والاختيارات والاتجاهات الجديدة. لا أن تبقى داخل الجدران العاجية والماهيات والميتافيزيقيا والمفاهيم المجردة.

على هذا الأساس، ومن ضمن هذه المناخات من الابتكار والحرية والاندماج في الواقع لابتداعه من جديد، تكسر فكرة "الأبدية" و"الشمولية" والانعزالية والرجعية والتقوقعية للاسهام في قيام مجتمعات وأفراد حرة، ناقدة، مشاكسة تغييريه، تكون الأساس في إحداث التحولات في المعايير والقيم والحكم والأنظمة والأفكار.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل