ماذا يعني أن تجري تظاهرة سلفية في ساحة الشهداء؟ وإلى من وجّه الشيخ أحمد الأسير رسائله من قلب بيروت؟ ومن يستعمل بعض المسيحيين لتخويف كل المسيحيين من هذه «الظاهرة» التي وجّهت رسائلها بشكل مباشر إلى حارة حريك؟
في قراءة موضوعية لتسلسل الأحداث في لبنان، يستغرب المتابعون تأخّر نمو الظاهرة السلفية السنّية في مواجهة التطرّف الشيعي الذي يمثّله "حزب الله" الداعي إلى تطبيق مشروع ولاية الفقيه في لبنان، ويجاهر الأمين العام لهذا الحزب السيد حسن نصرالله بفخره أن يكون جندياً في جيش الوَلي الفقيه. فالمنطق التاريخي قاطع لجهة أن كل تطرّف يولد تطرّفاً مقابلاً، وممارسات "حزب الله" طوال الأعوام المنصرمة، والتي وصلت في أقصاها إلى محاولة "إذلال" أبناء الطائفة السنّية في السابع من أيار 2008 من خلال اجتياح العاصمة بيروت وفرض إرادته بالقوة على بقية اللبنانيين تحت تهديد السلاح، واعتبار ما حصل يوماً مجيداً، إضافة إلى إسقاط حكومة الوحدة الوطنية التي كان يرأسها الرئيس سعد الحريري في كانون الثاني 2011 تحت وطأة القمصان السود… كل ذلك وغيره من الممارسات والإطلالات "الفوقية" المتكرّرة لـ نصرالله، أوصلَ من دون شك إلى تعبئة معيّنة أنتجت ظاهرة الشيخ أحمد الأسير وتظاهرته التي لقيت حدّاً كافياً من التجاوب أثار هواجس "حزب الله" وقلقه.
المفارقة الأبرز أن "حزب الله" لزم الصمت الكلي حيال تظاهرة السلفيين في بيروت، في حين لجأ إلى "دفع" بعض المسيحيين إلى مهاجمة هذه التظاهرة ومحاولة تخويف جميع المسيحيين، عِلماً أن الشيخ الأسير توجّه إليهم بكلام أكثر من مطمئن، لا بل طالبهم بالحماية من خلال تشبّثهم بأرضهم وعدم الهجرة.
وبعيداً عن الثرثرات الإعلامية الفارغة والسخيفة، لا بد من التوقّف عند ملاحظات عدّة رافقت حركة الشيخ الأسير وتظاهرته والرسائل المباشرة والمشفّرة التي أطلقها في اتجاهات محدّدة وواضحة:
ـ في الشكل، وإن كان هدف التظاهرة نصرة الشعب السوري في مواجهة "الطاغية" بشار الأسد، إلّا ان معظم الرسائل التي وجّهتها التظاهرة كانت في اتجاه الداخل اللبناني، وتحديداً في اتجاه داعمي النظام البعثي في لبنان، وفي طليعتهم "حزب الله".
ـ إصرار الشيخ الأسير على المضي بالتظاهرة في بيروت على رغم كل التحذيرات الأمنية التي وُجّهت إليه في محاولة لتجنّب مظهر الساحتين وأي احتكاكات كانت محتملة، شكّل الرسالة الأولى، وتحديداً في اتجاه مَن احتلّ بيروت في 7 أيار 2008، بأن بيروت لن تبقى تحت احتلال "حزب الله" وسلاحه وقمصانه السود.
ـ كانت لافتة ظاهرة القبضات المرفوعة في تظاهرة الأسير، في ما يشبه الردّ المباشر على القبضات المعتادة خلال إطلالات السيد نصرالله المتكرّرة. والمغزى أكثر من واضح: القبضات مقابل القبضات.
ـ وكانت لافتة أكثر الهتافات التي ارتفعت في التظاهرة تحت عنوان "الشعب يريد الجهاد"، مع ما يتضّمن هذا العنوان من تفسيرات واسعة واجتهادات كبيرة يُدرك معانيها تماماً "حزب الله" ومدى خطورتها وأبعادها، وخصوصاً إذا ما أضيف إليها أن حركة الشيخ الأسير لم يكن لها أن تتم من دون تمويل، وبالتالي فإن التمويل الإيراني الذي فاخر به السيد نصرالله لحزبه يمكن أن يقابله تمويل مضاد، ما يفتح الساحة على احتمالات خطرة قد يكون لبنان أصغر من أن يحتملها.
وفي الخلاصة، فإنّ القراءة الهادئة والموضوعية لحركة الشيخ أحمد الأسير تتطلّب قراءة هادئة وواعية من قيادة "حزب الله" والعمل لفك شيفرات رسائلها بمضمونها المحلي والإقليمي، وتجنيب الداخل اللبناني أي انعكاسات لمواجهات يدّعي "حزب الله" ظاهراً أنه لا يريدها، في حين أن ممارساته اليومية تنذر بتفاقم الأوضاع نحو مجهول بات معلوماً بالنسبة إلى الحزب… فهل يتدارك الأمر قبل فوات الأوان؟