لا يوجد تفسير واحد مقنع لحال العجز العربي التي تتأكد يومياً مع ارتفاع عدد القتلى في سوريا ومع تكرّر الأنباء عن وقوع مجازر متنقلة بين حمص وحماه وسواها من المدن السوريّة، وما يزيد حالة القرفٍ الإنساني من هذا القتل الإرهابي، هو الصمت العربي الذي لا ينطق إلا بين غيبوبة وأختها، مبدياً حزنه أو رفضه مع تأكيد عجزه أمام ما يحدث للشعب السوري!!
يحدث هذا في الوقت الذي تعلن فيه فاليري آموس مسؤولة الشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة موقفها قائلة: «إنني معنية بأن أعرف مصير سكان منطقة باب عمرو المهُدّم بالكامل»، في وقت ما يزال العالم العربي فيه يُقدّم الفرصة تلو الأخرى لنظام قاتل ويتلهون باستقبال الوقاحة الصينيّة وموفدها مساعد وزير الخارجية تشانغ مينغ إلى السعودية ومصر ليشرح حقيقة الموقف الصيني ودعمه للنظام القاتل بل ويطلب دعم الدولتين له عبر تأييدهما للمبادرة الهزيلة التي أعلنت عنها بكين!!
وفي مسافة بين «الغباء العربي» و»الوقاحة الصينية» يقف «المجرم الروسي»، الذي بلغ به الإجرام حدّ شنّ الحروب على الدول العربية لموقفها المؤيد للثورة السورية، وفي وقت كنا فيه نتوقع أن تبادر المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي على الأقل إلى تعليق العلاقات مع روسيا والصين، فوجئنا بوزارة الخارجية السعودية منشغلة بالردّ على تفاهات بيان صدر في الرابع من الشهر الجاري عن المتحدث الرسمي لوزارة خارجية روسيا الاتحادية الذي تضمن اتهامات خطيرة للمملكة بدعمها للإرهاب في سوريا!!
ولا يوجد مبرّر واحد يُقنعنا نحن المواطنين العرب البسطاء بعدم اتخاذ موقف عربي صارم وواضح من روسيا والصين حتى الآن، وما هي أسباب هذا الخجل العربي «الفاقع» في وجه التصريحات الروسية المتصاعدة ضدهم والتي كان آخرها ما صرح به بالأمس ألكسي بوشكوف رئيس لجنة الشؤون الدولية في مجلس الدوما الروسي قائلاً: «إن جامعة الدول العربية ليست المكان الأمثل لإعداد الموقف بشأن سورية»!!
ربما يحتاج العرب وبشكل دائم إلى إبقاء ذاكرتهم الجماعيّة في غرفة العناية الفائقة، فهم أقرب إلى الغيبوبة منهم إلى الصحو، والمريب فى روسيا أنها تظل تدعم الطاغية وتتصدى للأمم المتحدة في إدانته، فإذا ما أحكمت الحلقة حوله وبدأ الغرب في التدخل تخلت روسيا عنه، حدث ذلك مع صدام حسين أيام احتلال الكويت، ثم أيام احتلال العراق في 2003، ومع القذافي في بداية الثورة الليبية، وهذا على عكس موقفها من الثورة السورية، هذه القراءة تريح بعض المحللين العرب من عناء التفكير في الدور الروسي الذي يصنفونه بأنه الممهد للتدخل الدولي في بلدان المنطقة بدعمها الطغاة العرب جميعاً، مع أن التجربة عبر التاريخ الروسي تؤكد عكس ذلك تماماً!!
ففي 18 أيار عام 1948، كان الاتحاد السوفيتي أول دولة تعترف بدولة إسرائيل حتى قبل الولايات المتحدة الأميركيّة، وكان الاتحاد السوفياتي قد صوّت قبلها في خريف عام 1947 إلى جانب قرار تقسيم فلسطين إلى دولتين، وأن الاتحاد السوفياتي لم يوقف تزويد إسرائيل بالسلاح وتدريب جيشها إلا عام 1950 لأن كميات الأسلحة التي سُلّمت لها حققت إلى حد بعيد هدف السوفيات في مساعدة إسرائيل ضد العرب!!
ومن طرائف دعاة الوحدة والقومية العربية وديكتاتوريي العروبة ـ حلفاء الاتحاد السوفياتي السابق ـ أنه كان أول من وقف عام 1958 ضد الوحدة بين سوريا ومصر بحجة دعوتها للقومية فيما الشيوعية تدعو لنبذ القومية والدين، وأجلّ خدمة قدمها البعث السوري للسوفيات وإسرائيل كان في انقلابه على مشروع الوحدة هذا، بصرف النظر عن موقفنا الشخصي منه أو رؤيتنا السلبية له سواء في مقدماته أو نهاياته كمشروع فاشل ومزوّر لتاريخ المنطقة، فالعرب والخلافة الإسلامية روّاد «الفدرلة» في تاريخهم على عكس ما يدّعيه كثيرون من الذين يرفعون عناوين الوحدة المزيفة لأنهم لا يفهمون إلا أنها إلغاء للآخر وأكل القويّ لحقوق الضعيف!!
وربما ينعش ذاكرة الغيبوبة العربية إعادة قراءة دور السوفيات في هزيمة العام 1967 والوثائق المنشورة في كتاب Six Days Of War لمؤلفه الأميركي مايكل أورين والذي نشرته جامعة أكسفورد عام 2002، ففي الوثائق الأميركية التي أفرج عنها عام 2001 بأن روسيا هي التي كانت تخطط لمثل هذه الحرب وأنها ضللت القيادة المصرية وشجعتها على إغلاق مضائق تيران، وأن استعدت إسرائيل للحرب وهي مطلعة على الخطة الروسية وجنى السوفيات بهذه الهزيمة سيطرة عشرة آلالاف من خبرائهم على الجيش المصري إلى أن طردهم أنور السادات قبل حرب 1973 باعتبارهم جواسيس وأعين إسرائيل داخل مصر!!
والمدهش في هذه الحماية الروسية القاتلة للنظام السوري أن الحليفين الأساسيين لروسيا فيها هما الدولتان اللتان تدعيان أنهما على وشك تدمير المنطقة برمتها: إيران وإسرائيل، وهذه واحدة من أبدع ما أنتجته خدعة الممانعة والمقاومة!!