
على عكس الأجواء التوافقية التي أُشيعت رسمياً وتسريباً أمس عن جلسة مجلس الوزراء والنتيجة التي انتهت إليها في شأن حل قضية الإنفاق من خارج الموازنة، فإن ما حصل فيها كان عبارة عن شبه فضيحة جديدة تُضاف الى سجل وزراء "التيار الوطني الحر" وتكشف عقم معاركهم "الإصلاحية" التي تنفجر يوماً تلوَ آخر، في وجه حلفائهم قبل أخصامهم.
ومختصر الفضيحة هو تراجع وزراء التيار عن توافق تمّ مع حركة "أمل" و"حزب الله" وبعلم الرئيس نجيب ميقاتي في شأن صيغة حلّ لقضية الـ11 مليار دولار، وعودتهم الى نغمة عبثية لا تنتج إلا المزيد والمزيد من الخسائر لهم وللبلد في مجمله.
وقبل تفصيل ما جرى في جلسة الأمس التي انعقدت في القصر الجمهوري في بعبدا، تكشفت وقائع جديدة مذهلة واستثنائية في شأن ما جرى في جلسة الأربعاء الماضي على خلفية الوضع عند الحدود اللبنانية السورية و"طبيعة" النقاش الذي دار فيها، وامتد، بشكل أو بآخر، الى جلسة بعبدا بعد "مروره" على اجتماع "مجلس الدفاع الأعلى".
ماذا في الوقائع؟
مصادر وزارية أفادت "المستقبل" أن جلسة أمس تركزت على عنوانين، موضوع تسليم عناصر "الجيش السوري الحر" السبعة الذين أُفرج عنهم، الى السلطات السورية، وموضوع ايجاد حلّ للإنفاق.
في الموضوع الأول حمل عدد من الوزراء بينهم علي قانصو وجبران باسيل ونقولا فتوش على القضاء بسبب إفراجه عن العناصر السبعة معتبرين "أن الاتفاقات اللبنانية السورية تفرض تسليمهم الى السلطات السورية". إلا أن رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان ذكّر بمجموعة من الاتفاقات الدولية التي تمنع ذلك داعياً الى أن يتخذ الجيش التدابير اللازمة لمنع دخول السلاح الى الأراضي اللبنانية.
ومن دون أن يُتخذ قرار في ذلك انتهى النقاش حول هذا الموضوع على قاعدة عدم إمكانية تسليم هؤلاء الى النظام السوري.
ذلك أن المعطيات التي كشفتها الأجهزة الأمنية خلال اجتماع "مجلس الدفاع الأعلى" أول من أمس، أظهرت أن العناصر السبعة لم يكونوا يملكون سلاحاً وإنما كانوا في منزل أحد اللبنانيين الذي يملك السلاح. كما أن هذا الاجتماع كشف النقاب عن مشكلة أخطر وهي حذو قائد الجيش العماد جان قهوجي والمدير العام للأمن العام اللواء عباس ابراهيم حذو قوى الأمن الداخلي، بالقول أمام المجتمعين إنهما لم يتمكنا من الحصول على "الداتا" المتعلقة بهذا الشأن من وزارة الاتصالات، ما أثار ارتياباً خلال الاجتماع الذي أثير خلاله أيضاً موضوع تسليم العناصر السبعة الى السلطات السورية، حيث تمّ التذكير من أحد المجتمعين بأن السلطات السورية سبق أن رفضت تسليم أحد اللبنانيين المشاركين في إطلاق النار على الجيش اللبناني وقتل عسكريين بعد فراره الى سوريا.
الإنفاق!
أما في الموضوع المتعلق بالإنفاق، فلم يتمكن مجلس الوزراء من إيجاد حلّ للموضوع بسبب تراجع وزراء "التيار الوطني الحر" عما سبق ووافقوا عليه في اجتماع مع رئيس الحكومة أول من أمس، وفي اجتماع سابق مشترك بينهم وبين وزراء من "أمل" و"حزب الله" يوم الثلاثاء الفائت.
وبحسب المعلومات أن الوزراء "العونيين" فاجأوا مجلس الوزراء أمس، مرة جديدة، بعدم موافقتهم على صيغة حلّ خطية وزّعتها الأمانة العامة لمجلس الوزراء في بداية الجلسة، وهي خلاصة اتفاق "التيار" و"أمل" و"حزب الله" متوجة بموافقة رئيس الحكومة الذي أجرى أيضاً اتصالاً قبل الجلسة بالرئيس فؤاد السنيورة بهذا الشأن.
وبذلك وجد مجلس الوزراء نفسه أمام ثلاثة مشاريع: الأول لوزير المال المعني محمد الصفدي، والثاني هو المشروع المشترك المشار إليه، والثالث ما أثاره الوزراء "العونيون" من ملاحظات على المشروعين، مما أربك المجتمعين ووضعهم في حالة حرج خصوصاً أن الرئيس نبيه برّي حدّد مهلة تنتهي في 15 آذار الجاري موعد الجلسة النيابية المقبلة.
ورغم موافقة الوزراء "العونيين" على ملاحظة أبداها الرئيس ميقاتي اقترح فيها تعديل عبارة "الممارسات الشاذة" التي كانت وردت في مشروع الصفدي وتأييدهم لكلامه وكلام رئيس الجمهورية من أن المطلوب إيجاد حلّ وليس اتهام الآخرين، إلا أنهم أعادوا الأمور الى نقطة الصفر رافضين مشروع الصفدي والمشروع الذي سبق ووافقوا عليه، بعد أن كان الوزير باسيل خرج من الجلسة وأجرى اتصالاً بالعماد ميشال عون!. في هذا الوقت طلب الوزير غازي العريضي الكلام ليقول "يبدو أن الأمور غير سالكة وليتحمل كل منّا مسؤوليته"، مقترحاً صيغة الخروج ببيان عام "لئلا يظهر الانقسام الحكومي أمام الرأي العام"، بعد أن أبدى ملاحظة أخرى على كلمة "تسوية" كما وردت في أحد المشاريع، معتبراً أنها "قد توحي بأنها تسوية مالية وهذا ليس صحيحاً".
جلسة الأربعاء
أما جلسة الأربعاء في السرايا الحكومية، فقد شهدت هجوماً عنيفاً على إعلام المعارضة من قِبَل الوزراء جبران باسيل ونقولا فتوش وعلي قانصو أيضاً على خلفية ما سمّوه "الحملات المغرضة ضد النظام السوري وما يعكسه ذلك على العلاقات بين البلدين الشقيقين". وذهبوا الى حدّ المطالبة باتخاذ إجراءات ضد هذه المؤسسات الإعلامية من دون تسميتها.
كما حمل هؤلاء الوزراء على الكلام الذي أطلقه الشيخ أحمد الأسير في وسط بيروت يوم الأحد الفائت، معتبرين أنه يمسّ "برئيس دولة شقيقة". وقال فتوش "مبروك لسوليدير ولأصحاب سوليدير بالقاعدة، فقد أصبح هناك قاعدة في قلب السوليدير". كما طالب وزير العمل سليم جريصاتي بإصدار بيان في ختام اجتماع الحكومة يُدين مواقف الأسير.
وبعد ذلك دار نقاش حول دخول "مسلحين سوريين معارضين" الى الأراضي اللبنانية، فطالب عدد من الوزراء بتسليم عناصر "الجيش السوري الحر" السبعة الى السلطات السورية بناء لطلب الأجهزة القضائية السورية.
أما الوزير غازي العريضي فاستنكر دعوة البعض الى اتخاذ إجراءات بحق الإعلام قائلاً من "يتحمّل المسؤولية هم السياسيون وليس الإعلام"، مضيفاً أن السبب يعود أولاً الى "غياب الدولة وغياب تطبيق القانون الذي إن طُبّق على الجميع لا يعود هناك مشكلة. فإما نكون دولة ترعى الجميع بعدل من خلال تطبيق القانون وإلا فنحن لسنا دولة".
وتساءل: لو كان الإعلام المعني موالياً، هل كنا فكّرنا باتخاذ إجراءات ضده؟ مذكّراً بأمثلة كثيرة في هذا الخصوص كانت استنسابية على الدوام.
وأضاف: في الماضي سمعنا المديح لبعض الأمراء، وإذ بنا بعد حين نسمع الاتهامات والشتائم. مذكّراً الوزراء بأنه وزير إعلام سابق له "خبرة متواضعة" في هذا المجال، داعياً إياهم الى ترك الإعلام وشأنه، والبحث في كيفية تطبيق قانون الإعلام بدلاً من الاستنساب السياسي ومستغرباً "كيف أن البعض اليوم يطالب بالتشدد على الحدود لمنع تهريب السلاح بعد أن كان يرفض بالأمس ضبط تلك الحدود".
وقال العريضي أيضاً "بالأمس قيل لنا إن سلاحاً هُرِّب من سوليدير وبعدها قيل لنا إن ثمة "قاعدة" في عرسال، وعلى هذه الطاولة هنا بالذات، وإذ تبيّن لاحقاً أن لا تهريب للسلاح من سوليدير ولا قاعدة في عرسال. فكيف نتعامل نحن كحكومة مع هذه العناوين بهذه الانتقائية؟". وتابع "كيف نكوّن صورة عن الوضع الأمني ونحن كوزراء لا نطّلع على أي معطى، وكل جهاز أمني يفيد بمعلومات مختلفة عن الآخر، سائلاً وزير الإعلام، "هل تطلع أنت يا معالي الوزير على المعطيات الأمنية بحيث تستطيع أن تتحدث باسم الحكومة حولها"؟.
وفي نهاية الجلسة طلب الرئيس ميقاتي من الوزير العريضي صياغة البيان الختامي.