مع تكاثر الحديث في الآونة الاخيرة عن السلفية، ينبغي التذكير بأن معناها الاقتداء بالسلف الصالح. ليت كل سلفيي هذا العصر يقتدون بأسلافهم الصالحين بلا تصرف ولا طقوس غريبة ولا بدع، وسيجدون أنهم يلتقون في مكان واحد، عند عبادة الاله الواحد والبحث عن هدف واحد يتلخّص بالحق والخير والجمال. وعندئذ لن يكون صعباً عليهم التفاهم على كيفية ترتيب شؤون البيت، وهو حتى اشعار آخر، الوطن الواحد الذي يغنّيه في لبنان، كلٌ على ليلاه!
في مثل هذا اليوم قبل اسبوع، الاحد الماضي بلغ الحديث عن السلفية ذروته. واذا كان عنوانها او تفسيرها الخاطئ هو التطرّف، فليس اكثر من السلفيين في هذا الزمن: يميناً ويساراً، مسلمين ومسيحيين، احزاباً ورجال دين، وكلهم يتعيّشون بعضهم على بعض، وفي النهاية، التطرف يجر التطرف، والعقلاء في كل "السلفيات" السياسية والدينية والحزبية والعقائدية يتحملون مسؤولية كبرى في معالجة هذه الظاهرة.
وهكذا يبدو السلفيون على اختلافهم، في الشكل على انواع: فمنهم الملتحي الذي يرتدي ثوب رجل الدين، وكل على طريقته في اختياره وفي تقدير كثافة الالتحاء، ومنهم الحريص على التزام آخر "صيحات الموضة" في البذلات وربطات العنق وتطوير "اللوك" ومنهم من يحاضر في العفة والاعتدال، ولكنهم جميعا في المضمون واحد: متطرفون بلا حدود. و لا بأس في التطرف اذا كان يعني الانحياز الى الحق واحترام الرأي الآخر، او على الاقل، الاعتراف بوجوده، ولكنه عندنا في لبنان يبدو احتكاراً للحقيقة ورفضاً للآخر يبلغ في معظم الاحيان حد التخوين. وقد تكاثرت في الآونة الاخيرة ظاهرة استعمال العبارات غير اللائقة ولا سيما على الشاشات والتي إن دلت على شيء، فعلى افلاس سياسي اياً يكن مطلقوها. وللمناسبة، علينا الاعتراف بأن للاعلام ايضا "سلفييه" وهم اولئك الذين يدّعون رفض التطرف، وفي الوقت نفسه يسوّقون المتطرفين على انواعهم، والذين يدّعون تبني الاعتدال والانفتاح، وفي الوقت نفسه، يحرصون في مناسبة وغير مناسبة على استحضار متطرفين من ملتحين ورجال دين "مكتومين" او منتحلي صفة رجل دين. وللمفارقة، فان بعضهم يبدو في بعض الحالات اكثر اعتدالا وانفتاحا من مستضيفيه ومحاوريه، واحياناً يحاول ضبط ايقاع "سلفيّتهم"!
واياً تكن السلفية، في الدين او السياسة او الاحزاب او الاعلام، فانها ظاهرة تستحق التوقف عندها ومعالجتها، بدءا من عدم المساهمة في "نفخ" حالات كثيرة، ليس في الدين وحده، ويتحمل كثيرون مسؤولية تضخيمها واعطائها اكثر مما تستحق.
وفي الانتظار، سيبقى العنوان واحدا عند الجميع، ملتحين وحليقي ذقون: سلفيون بلا حدود.. ومن كان منكم بلا "سلفية" فليرجمها بحجر!