سوريا تشكو مما شكا منه لبنان دوماً
ضبط الحدود بات حاجة ملحّة لكلا البلدين
يقول وزير سابق انه عندما كان لبنان يشكو الفلتان على الحدود اللبنانية – السورية كانت لسوريا مصلحة في ان يتم تهريب الاسلحة الى الاحزاب والجماعات اللبنانية المناهضة لعهد الرئيس كميل شمعون فأشعلت في وجهه حوادث 1958، وكانت لها مصلحة ايضا في بقاء الفلتان كي تسهل دخول اول دفعة من الفلسطينيين المسلحين الى منطقة العرقوب في جنوب لبنان، فأدخل ذلك لبنان في مشكلة السلاح الفلسطيني الذي انتهك سلطة الدولة اللبنانية وسيادتها في اكثر من منطقة، وتسبب في حرب لبنانية داخلية دامت 15 سنة ودفع لبنان ثمن وقفها وصاية سورية عليه دامت 30 عاما.
وعندما عقدت بين لبنان وسوريا اتفاقات في ظل هذه الوصاية، لا سيما "معاهدة الاخوة والتعاون والتنسيق" والتي انبثق منها "اتفاق الدفاع والامن". لم يكن لسوريا مصلحة في تطبيق اي بند من بنودها الا ما ترى في تطبيقه فائدة لها، فلا تحقق التعاون والتنسيق في المجالات الاقتصادية والزراعية والصناعية والتجارية والنقل والمواصلات والجمارك وإقامة المشاريع المشتركة وتنسيق خطط التنمية، بل كان لبنان يعاني من حين الى آخر افتعال ازمة في حركة النقل بين البلدين، او افتعال زحمة شاحنات لاسباب امنية او غيرها من الاسباب، ودخول سلع سورية الى لبنان لتزاحم السلع اللبنانية خلافا لكل اتفاق.
ونص اتفاق الامن والدفاع بين البلدين على "عدم جعل لبنان مصدر تهديد لأمن سوريا او سوريا لأمن لبنان وعلى الاجهزة العسكرية والامنية في كل من البلدين اتخاذ الاجراءات اللازمة لمنع اي نشاط او عمل او تنظيم في كل المجالات العسكرية والامنية والسياسية والاعلامية من شأنه إلحاق الاذى والاساءة للبلد الآخر، وان يلتزم كل من الجانبين عدم تقديم ملجأ او تسهيل مرور او توفير حماية للاشخاص والمنظمات الذين يعملون ضد امن البلد الآخر، وفي حال لجوئهم اليه يلتزم الجانب الآخر القبض عليهم وتسليمهم الى الجانب الثاني بناء على طلبه، ويشمل ذلك كل قضايا الامن القومي والداخلي بما في ذلك قضايا المخدرات والارهاب والتجسس". وكان لبنان يعاني كل ذلك ولكن لم تستجب سوريا مطالبه تنفيذا لهذه النصوص. فجماعة "فتح الاسلام" جاؤوا من اراضيها ودخلوا مخيم نهر البارد وكانت المعركة الطاحنة مع الجيش اللبناني، وقد هرب بعض قادة هذه الجماعة الى سوريا، ولم يتم تسليمهم الى لبنان. كما ان عناصر اعتدت على الجيش اللبناني في البقاع ولجأت الى سوريا ولم يتم تسليمها الى لبنان. ولكن عندما اصبح لسوريا مصلحة في تطبيق الاتفاقات المعقودة بينها وبين لبنان كما هي الحال اليوم، تذكرت نصوصها وطالبت لبنان بتطبيقها، لا سيما بالنسبة الى المسلحين الفارين من سوريا الى لبنان، بحيث بات ضبط الحدود مصلحة ملحة لسوريا، وهو ما طالب به لبنان سوريا من قبل مرارا ولم تهتم بطلبه، لأن عدم ترسيم الحدود توصلا الى ضبطها اعتبرته في مصلحتها، حتى ان القمة التي انعقدت بين الرئيس ميشال سليمان والرئيس بشار الاسد نص بيانها الختامي على "تحديد وترسيم الحدود اللبنانية – السورية وفق آلية وسلم اولويات على ان يصار الى اتخاذ الاجراءات الادارية والتقنية اللازمة لمباشرة ذلك، من اجل ضبط الحدود ومكافحة التهريب والاعمال المخالفة للقانون ووضع آليات ارتباط واتصال سريعة ودقيقة لهذا الغرض".
ومنذ انعقاد هذه القمة في آب 2008 الى اليوم لم يتم تنفيذ شيء من البيان الختامي الذي صدر عنها، ولم تشعر سوريا بخطورة الفلتان على حدودها مع لبنان الا بعدما اخذت تعاني النتائج من جراء الاحداث الدامية فيها.
ويرى الوزير السابق ان للبنان مصلحة دائمة في ضبط الحدود بينه وبين سوريا، خصوصا في الظروف الدقيقة الراهنة، "لا فلا يسمح بدخول مسلحين الى ارضه ولا بخروج مسلحين عبرها الى سوريا او جعل اي منطقة في لبنان مركز تجمع لمسلحين يستهدفون امن سوريا. وهذا يتطلب التمييز بين النازحين المدنيين السوريين الذين يهربون من مناطق القتال في سوريا الى لبنان وهؤلاء يجب معاملتهم انسانيا وتأمين المساعدات الضرورية لهم وبين النازحين المسلحين الذين ينبغي منعهم من الدخول ما لم يتخلوا عن سلاحهم لتطبق عليهم صفة النازح المدني. وهذا يتطلب قيام تعاون وتنسيق بين البلدين. فإذا كان ثمة من يحاول تصدير حوادث سوريا الى لبنان او استيرادها فإن الجيش اعلن استعداده للضرب على ايدي هؤلاء بقوة، ومنع الخلط بين النازحين المدنيين والنازحين المسلحين، واختلاف طريقة التعامل مع كل منهم. وعلى القادة في لبنان ان يكون موقفهم واحدا حيال هذا الوضع كي يساعدوا الجيش في القيام بمهمته الصعبة والدقيقة انقاذا لأمن لبنان وللسلم الاهلي فيه"، وان يصبح تطبيق الاتفاقات بين البلدين ملزما للطرفين ولا يبقى ظرفيا واستنسابيا ومصلحيا… او مادة تجاذب بين السفراء المعنيين.