والتاريخ أيضاً… زبون لديهم! (بقلم طارق حسّون)

في "مقال" بعنوان "الى الكتائب والأحرار: هذا بعض ما يجب ان يذكره كتاب التاريخ"، نشره موقع التيار العوني نهار الأحد بتاريخ 11 آذار 2012، يطرح الكاتب جملة نقاط، ارتأينا التوقف عندها حتى لا تلتبس الامور على القراء الطيبين فيتمكن، وهو المضلَّل، من تضليلهم، لذلك نفنّدها على الشكل الآتي:

1- يقول: "… ليس مهماً أن يتظاهر المرء من أجل كتاب التاريخ، لأن الأهم أن يشارك في صنعه…".

ونحن نقول، لكي تستحق دخول كتاب التاريخ في لبنان، يجب ان تُشارك بصنع التاريخ إيجاباً، سواء من حيث تقديم الشهداء او التضحيات، او من حيث التشبّث بسيادة لبنان. ولكن ان تفرّ من ساحة الشرف، وأن تبيع القضية، وأن تُفرّط بالتاريخ لتُصبح خادماً أميناً للإحتلال، فأنت تستحق فعلاً أن تدخل باب التاريخ، ولكن "كما تدخل الحشرات جحورها".

2- يقول الكاتب: "… فبعدما حسم العماد عون مسألة كتاب التاريخ، لناحية استحالة إقراره في شكل منقوص، فكل الخطوات الأخرى في هذا الإطار، لا تعدو كونها مزايدة صبيانية…".

ونحن نقول، إن إقرار كتاب التاريخ بالطريقة المنقوصة إيّاها، إنما يتّم على يد حكومة "معلمي عون" نفسها، بحسب ما اتحفنا به طيلة الأشهر الماضية. وبالتالي فكيف لمن فرّط بتاريخ شبّان حزبه بالذات، أن يأتمنه الشعب اللبناني على كتاب التاريخ الوطني؟!

3- يتابع: "كتاب التاريخ ليس من حقه إطلاقاً أن ينسى أن حرب لبنان لم تبدأ في 13 نيسان 1975، بل في حرب الأيام الستة، حين انتقل الثقل الفلسطيني المسلَّح إلى لبنان. يومها، وفي مقابل تحذير بعض ضباط الجيش اللبناني مما يحضَّر للبنان، كان موقف بعض الأحزاب المسيحية الكبرى آنذاك، وأولها حزب الكتائب اللبنانية، مؤيداً لاتفاق القاهرة الذي شرّع الوجود الفلسطيني المسلَّح… وتخلَّى عن بعض السيادة".

ونحن نقول: ليس غريباً ان يجهل المرء تاريخ بلاده فيتحاشى الغوص في بعض تفاصيله خشية الوقوع في الخطأ، ولكن الغريب فعلاً ان يبلغ الجهل والغباء بكاتب المقال حدّ سرد تفاصيل تاريخية يجهلها تمام الجهل، فيظهر كمن يتخبّط في مستنقع جهله وغبائه وسطحيته. فإتفاق القاهرة الذي تحدّث عنه، هو اتفاق وقّع عليه قائد الجيش اللبناني آنذاك العماد اميل بستاني بالذات، بدعمٍ من المغفور له رشيد كرامي نفسه، وبضغطٍ عسكري مباشر من نظام البعث السوري، ووزير الدفاع السوري آنذاك حافظ الأسد وحده، وهذا بالضبط ما أشار اليه النائب "العوني" فريد الخازن في كتابه "تفكك اوصال الدولة في لبنان". امّا موقف الزعماء المسيحيين، بحسب ما اورده النائب الخازن بالذات، فهو الرفض المطلق لهذا الأمر، وإعتبار أن "التنسيق مع الكفاح المسلح يُشكّل إنتهاكاً لسيادة لبنان".

4- يقول ايضاً: "وليس من حق كتاب التاريخ أن ينسى أنَّ دخول الجيش السوري إلى لبنان اعتباراً من عام 1976، تمَّ بمباركة أحزاب من الجبهة اللبنانية، بينها حزبا الكتائب اللبنانية والوطنيين الأحرار".

ونحن نقول: إذا كان دخول النظام السوري الى لبنان تمّ استجابةً لدعوة الأحزاب المسيحية، فلماذا لم يستجب ثانيةً لمطالبات هذه الأحزاب ذاتها، بالخروج من لبنان؟

وحقيقة الأمر، ان دخول النظام السوري الى لبنان، ودائماً بحسب شهادة نائب التيار العوني نفسه فريد الخازن، وبحسب أدبيات التيار العوني طيلة أعوام "النفي" الماضية، لم يكن بحاجةٍ لتلبية أي دعوة، وإنما جرى بعد ضغوط عسكرية وسياسية كبيرة، مارسها هذا النظام على الدولة اللبنانية قبل العام 1975 بفترة طويلة، وتوّجها بإرتكاب مجزرة الدامور الشهيرة.

وبالمناسبة، لا بد من إعادة التذكير، بما كشف عنه، السيد حبيب الخوري حرب، والد القيادي في التيار العوني انطون الخوري حرب، وموفد عون الى السوريين، في كتابه "الرهان الممنوع"، لجهة تكليفه من قبل العماد عون بالإجتماع بالسوريين العام 1990 بغية حضّهم على ممارسة ضغوط عسكرية على المناطق المسيحية في الشمال، لإشغال "القوات اللبنانية"، وإراحة عون عسكرياً.

5- ايضاً يتابع: "وليس من حق كتاب التاريخ أن ينسى تمادي بعض الأحزاب في تعاملها مع إسرائيل".

ونحن نقول، إن اول الذين تعاملوا مع اسرائيل كان عون بالذات، وصورته الشهيرة التي يصافح فيها وزير الدفاع الإسرائيلي آرييل شارون العام 1982 في المتحف، خير شاهدٍ على ذلك.

وإن أول من تجرّأ على الدفاع عن عميل إسرائيلي، ومارس الضغوط السياسية لإطلاق سراحه، كان عون وحده.

وإن عون كان اول من اوفد ضباطه لزيارة اسرائيل ومقابلة اوري لوبراني، في محاولةٍ لاستدراجها الى حلبة صراعه على السلطة، كما ذكر حليف التيار العوني رئيس الحكومة السابق سليم الحّص، خلال جلسة مجلس الوزراء المنعقدة بتاريخ 7 كانون الأول 1989.

6- يقول الكاتب المضلّل والمصرّ على نشر التضليل: "وليس من حق كتاب التاريخ أن ينسى أن هناك من تسبب بسقوط مئات الآلاف من الشهداء المسيحيين… في معارك جانبية بين المسيحيين، أوَّلها بين الكتائب والأحرار، وثانيها مع المردة، وثالثها في انتفاضات داخلية وتصفيات متبادلة بين مكونات القوات اللبنانية، ورابعها في اعتداء سافر على المؤسسة العسكرية…".

ونحن نقول، إن معظم الذين انخرطوا في تلك الحروب الداخلية، همّ إما منتسبين للتيار العوني او حلفاء له، منهم، على سبيل المثال لا الحصر، جو اده، وجوزف الزايك ومسعود الاشقر، وما يُسمّى بقدامى "القوات"، وبوب عزام وجورج اعرج ما يسمى "نمور الاحرار".. امّا ما اعتبره ابو جوده، "إعتداءً سافراً على المؤسسة العسكرية"، فلم يكن سوى معركة دفاعٍ مشروعٍ عن النفس، خاضتها القوات اللبنانية بحسرة وبعد كثير تردد ومحاولات متكررة وفاشلة لتفاديها، وحصلت بمواجهة عون وليس الجيش على الاطلاق، الا ان عون اخضع الالوية تلك لامرته واهوائه وحوّلها الى ميليشياه، كما ضحّى بها في 13 تشرين الشهير.

7- يقول ايضاً: "ليس من حق كتاب التاريخ أن ينسى أن هناك من وضع في مصاف "الواجب الوطني" اغتيال طوني فرنجية وداني شمعون وعائلتيهما، وأن هناك من أعدم سمير زينون ومن قتل غيث خوري ومن صفَّى المونسنيور ألبير خريش ومن نحر رشيد كرامي والياس الزايك ومن فجَّر سيدة النجاة في زحلة، ومن حاول اغتيال ميشال المر…".

ونحن نقول، طبعاً ليس من حق كتاب التاريخ ان ينسى الذين اغتيلوا لأسبابٍ سياسية على عهد الإحتلال الأسدي المباشر وغير المباشر، واولهّم شهداء ثورة الأرز، ولأجل ذلك نُقرن قولنا بالعمل، وندعم جهود المحكمة الخاصة بلبنان لكشف القتلة والمجرمين الفعليين، فيما كاتب المقال وامثاله من احاقدين المرضى، يعمل بقوة هذا الحقد نفسه على القبول بما بني على باطل وفي زمنٍ باطل ساهم في صنعه وتمهيد الارض له للسيطرة على لبنان، اما عمله الحقيقي في هذة الايام فهو ينصّب على إعاقة تحقيق العدالة، وتزوير ما لها وعليها باسم الاصلاح والتغيير، وما المازوت الاحمر وقضية العمالة الا غيض من دليل على ذلك. مهما يكن من امر، فإن من يُقبّل نعلة حذاء ديكتاتور، سفك في الماضي، ويسفك كل يوم دماء آلاف الأبرياء، ويُخفي في معتقلاته آلاف اللبنانيين والسوريين، ليس المرجع الصالح أصلاً لهكذا نقاش او موقف.

8- يقول كاتب المقال الحاقد: "وليس من حق كتاب التاريخ أن ينسى أن 14 آذار لم يبدأ عام 2005، ولم يطلقه اغتيال رفيق الحريري، فـ 14 آذار هو أساساً 14 آذار 1989، يوم أعلن عون حرب التحرير ضد كلِّ محتل".

ونحن نقول، إن نتيجة الأعمال هي التي تشرعن وتُبرر الأفعال، فإذا جاءت الأفعال بنتائج عظيمة، استحقّت الثناء، واستأهلت دخول التاريخ من بابه العريض، امّا إذا كانت على النقيض من ذلك، فمصيرها الذمّ، ومكانها الطبيعي، مزبلة التاريخ، وليس كتابه. وبالتالي فإن النتائج العملية لأقوال وشعارات عون في 14 آذار 1989، آلت في البداية الى الهرب، ثم لاحقاً، الى الإنقلاب على الشعارات والمبادىء، وأخيراً انتهت في أحضان الميليشيات والإحتلال.

وعليه، فإن النتائج النهائية لأفعال عون، مناقضة تماماً لشعاراته الأولّية، والاخطر انها مناقضة لما كتبه في كتابه البرتقالي ونشره ووزعه وسرق اصوات المضللين على اساسه، وهو ما يعني ان الترجمة الفعلية لـ 14 آذار 1989، لم تكن لا سيادة، ولا حرية ولا استقلال، وإنما 13 تشرين 1990، و6 شباط 2006، و12 تموز 2006، و7 ايار 2008، بالإضافة طبعاً، الى حرق الدواليب، وزرع الفتن، ونبش المقابر الوهمية.

9- يقول الحاقد ايضاً: "وليس من حق كتاب التاريخ أن ينسى ان 13 تشرين الأول 1990 لم يكن صنيعة المحتل وحده، بل شاركت في ضرب آخر معقل وطني حر، القوات اللبنانية من ضمن عدد كبير من الميليشيات اللبنانية والفلسطينية".

ونحن نقول، إن إنهاء تمرّد عون في 13 تشرين الأول، كان قراراً اتخذّه حافظ الأسد شخصياً، أي والد السيّد الفعلي لقيادة التيار العوني راهناً، علماً أن قرار تحريك الطيران الحربي السوري، لا يُتخّذ، لا في غدراس، ولا في المجلس الحربي، ولا في قريطم، ولا حتى من قبل نائب الرئيس السوري نفسه، وإنما هو قرار منوط حصراً بشخص حافظ الأسد من دون سواه، وبالتالي فإن الخضوع والطاعة لابن حافظ الأسد اليوم، لا يُبيح له تشويه الحقائق، وإختلاق وقائع تاريخية من العدم، لمحاولة تلميع صورة محروقة في ذهن كل من قرر ان يفكّر.

10- يقول: "أما العماد عون المتهم دائماً وأبداً، فوحده لم يعد إلى لبنان إلا بعد انسحاب آخر جندي سوري، ووحده زار دمشق بصفته السياسية أول مرة، بعدما باتت بمنأى عن المسِّ بسيادة لبنان".

ونحن نقول، إذا كنت تجهل فتلك مصيبة، وإن كنت تعلم فالمصيبة اعظم، لكن الواضح ان الكاتب – الذي لا يستحق اللقب- هو مُعلّمٌ في الجهل، لأن من يجهل طبيعة الصفقة التي عقدها عون مع ازلام النظام الأسدي للعودة الى لبنان، والتي أماط اللثام عن تفاصيلها الأستاذ كريم بقرادوني في كتابه "صدمة وصمود"، إنما هو استاذ الجهلة، وساذج السُذّج…اولم يبقى المدعو كاتباً عونياً، بالرغم مما ارتكبه عون طيلة السنوات الماضية؟

11- يقول: "وليس من حق كتاب التاريخ أن ينسى أن سلاح حزب الله نشأ على عهد الرئيس أمين الجميل، واشتدَّ عوده في ظلِّ حكومات رفيق الحريري، واكتسب شرعية بعد زوال الوصاية بناء على تحالف انتخابي رباعي كانت القوات والكتائب وسائر حلفاء تيار المستقبل من الملحقات المسيحية به".

ونحن نسأل عمّا يريد قوله بالضبط؟ هل يريد التنصّل من تاريخ وسلوك "حزب الله" من خلال الإيحاء بأن "ذنب" نشوء "حزب الله" واشتداد عوده، لا يقع على عاتق "التيار العوني"؟!

إذا كان الأمر على هذه الحال، فلماذا يستمر "التيار العوني" بتأمين غطاءٍ ذمّي هزيل لحزبٍ يتبرّأ منه بالأساس، ويحاول تحميل الغير مسؤولية وجوده؟

12- يقول: "وليس من حق كتاب التاريخ أن ينسى أن تجنيس الفلسطينيين والسوريين تم على عهد حكومات الحريري، والدين العام تفاقم سرقة وفساداً بين عامي 1990 و2005".

ونحن نقول، وليس من حق كتاب التاريخ ان ينسى كذلك، أن عشرات الحكومات غير حكومات الحريري، تولاّها بعض حلفائه، وتعاقبت على "الحكم" لأكثر من خمس سنوات، ما بين العامين 1990 و2005، ومنها حكومة عمر كرامي الأولى، وحكومة رشيد الصلح، وحكومة سليم الحصّ، ثم حكومة عمر كرامي الثانية، وبعدها حكومة نجيب ميقاتي الأولى، ومع ذلك كلّه، لم يلمس اللبنانيون اي تحسّنٍ في الأوضاع المعيشية والإقتصادية؟

ثم فليخبرنا عن إنجازٍ واحد قامت به "حكومة" لعون فيها 10 وزراء، غير الشلل، والفساد، والصفقات والمازوت الاحمر، والسمسرات التي أطاحت بشربل نحاس، في أحد اطوارها…
وبعد، صحيحٌ ان مرسوم التجنيس تم توقيعه على عهد حكومة الرئيس رفيق الحريري، إلاّ ان الأكثرية النيابية والحكومية لم تكن موالية للحريري، وإنما كانت تابعة للنظام الأسدي، وبالتالي كان بمقدورها تعطيل أي قرارٍ سياسي لا ينسجم مع سياسة الإحتلال.

13- يقول:" وليس من حق كتاب التاريخ أن ينسى أن من كان يزايد بالدفاع عن البطريركية المارونية.. بات اليوم طليعياً في مهاجمة البطريرك الجديد، والسبب وحيد: ممنوع أن يكون لرأس الكنيسة رأي حر…"

ونحن نقول، إذا كان "الرأي "الحرّ"، يعني دفاعاً عن ديكتاتور مجرم يقمع الحريّات العامة، ويذبح ويسجن ويذلّ عشرات الآلاف لمجرّد ممارستهم حق التعبير البديهي عن الرأي، فهنيئاً لنا بهذه "الحريّة". امّا نحن، وانطلاقاً من إيماننا بكرامة الإنسان، وحريّة الرأي، شعاراً وممارسةً، فقد قررّنا الاّ نكون، على غرار التيار العوني، شهود زور للمسيحية في هذه البقعة من الشرق.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل