في 22 تموز2011 كتبتُ في هذا الهامش تحت عنوان متسائل: «حمص لن تعيد تاريخ حماه»، ومن بعض ما ظننته يومها أنّ: «حمص لن تكون حماه، فلا يستطيع أيّ نظام إعادة التاريخ إلى الوراء»، وأقصى أمنياتي كانت في ذاك المقال كانت: «جلّ ما نتمنّاه اليوم أن تحقن دماء الشعب السوري، وأن يجد النظام طريق الصواب، فيسكت صوت الرصاص ويعلو صوت الحوار، وينقطع سيل الدم، وإن كان الطريق كاد يقطع نهائياً والباب يغلق إلى الأبد بين النظام والشعب السوري، فالوقت تأخر كثيراً وحبات الرّمل المتبقية تكاد تنفد، والقتل ليس حلاً!!
يومها كانت الأمور أدعى للتفاؤل، على الأقل كانت القراءات السياسية والتحليلات والتصريحات توحي بهذا الوهم، فما كتبته يومها صحيفة «الواشنطن بوست»: «إن سفينة الأسد تغرق، والشيء المهم هو إقناع الناس ليدركوا ذلك حتى نضمن قفزهم من السفينة والالتحاق بسفينة الحياة».
يومها وصف «وليد جنبلاط» من موسكو ومعه نائب وزير خارجية روسيا ما يحدث في سوريا بأنه ثورة شعب وليس من عمل عصابات مسلّحة، عملياً وبعد أكثر من سبعة أشهر اكتشف الشعب السوري واكتشفنا معه أن العالم لا مانع لديه لا أخلاقي ولا إنساني من أن تعيد حمص تاريخ مجازر حماه ورقم ضحاياها المجهول بالتحديد حتى اليوم، ولذا ببساطة صحونا بالأمس على مجزرة مخيفة، والكلمة تُعيد فرز ذاكرة الحرب الأهلية في لبنان ما أكثر ما تكررت هذه الكلمة في يومياتنا، وبنفس الوجوه ونفس اللاعبين الذين اعتادوا القتل في لبنان ولم يُحاسبهم أحد، واعتادوا القتل في حماه ولم يُحاسبهم أحد، وها هم يستمرون ويستمرئون القتل لأن العالم كلّه واقف عاجزاً ووجهه إلى الحائط ورافعاً يديْه مدعياً أن الفيتو الروسي والصيني يحول دون أن يفعل شيئاً، وعلى نفس الشاكلة العجز العربي المتثاقل العجيزة في النهوض لحماية المدنيين على الأقل!!
هذا الكلام ليس يأساً، وليس من باب الاستسلام للعجز الدولي والعربي، وليس من باب القنوط أبداً، فالنظام الذي استبد 42 عاماً لا بأس إن احتاج 42 شهراً لاقتلاعه من جذوره الشيطانية، بل أبعد من هذا : المعركة على أرض سوريا تدور معركة طاحنة هي الأخيرة في هذا العصر، حرب العرب والعجم، وهذا مشهد مستعاد من تاريخنا، والفرس العجم لم يبتلعوا حتى اليوم هزيمتهم في القادسية فاستعادوها في العراق وفي السودان وفي ليبيا وفي مصر وفي الخليج العربي وفي لبنان، وها نحن نشهد اليوم اقتلاع أظافرهم الناشبة في خوانيق العرب!!
ما شاهدناه طوال يوم أمس لا يجب أن يحبطنا، ويتركنا واقفين مذهولين أمام هذا المشهد العالمي القذر، فقد سبق وشاهدناه في كمبوديا، وفي سراييفو، وفي رواندا، وفي دارفور، وقبل هذه كلّها شاهدناه في لبنان طوال عشرين عاماً، وبنفس ادّعاء العجز، ما نكتبه من باب الاستيقان بأن الله لا بدّ ناصر القتيل على القاتل، وأن نتفكّر في قوله تعالى من باب التأسي:{حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاء وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِين} [سورة يوسف / 110]
وفي حديث موقوف رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، في شرح قوله تعالى عن:(…) عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ، عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا، أَكُذِبُوا أَمْ كُذِّبُوا ؟ قَالَتْ: بَلْ كُذِّبُوا. قَالَ: فَقُلْتُ: لَقَدِ اسْتَيْقَنُوا أَنَّ قَوْمَهُمْ قَدْ كَذَّبُوهُمْ وَمَا هُوَ بِالظَّنِّ. فَقَالَتْ: «أَجَلْ، لَعَمْرِي لَقَدِ اسْتَيْقَنُوا بِذَلِكَ». قَالَ:فَقُلْتُ:فَلَعَلَّهَا، وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا فَقَالَتْ: «مَعَاذَ اللَّهِ لَمْ تَكُنِ الرُّسُلُ لِتَظُنَّ ذَلِكَ بِرَبِّهَا». قَالَ: فَقُلْتُ: فَمَا هَذِهِ الآيَةُ؟قَالَتْ: هُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ الَّذِينَ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَصَدَّقُوهُمْ طَالَ عَلَيْهِمُ الْبَلاءَ وَاسْتُؤْخِرَ عَنْهُمُ النَّصْرُ، حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ مِنْ قَوْمِهِمْ وَظَنُّوا أَنَّ أَتْبَاعَهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِمْ قَدْ كَذَّبُوهُمْ جَاءَهُمْ نَصْرُ اللَّهِ عِنْدَ ذَلِكَ».
وما النصر إلا صبر ساعة، وفي انتظار مهلة الأيام الأربعة الأممية للنظام القاتل، حان الوقت لإقالة التافه «نبيل العربي» من مهمة أمين عام الجامعة العربية، وحان وقت فرط عقد هذه الخدعة الكبرى المسماة جامعة الدول العربية التي أُنشئت بفكرة إنكليزية وخصيصاً لتغطية تضييع فلسطين وشعبها!!