كتبت باسكال بطرس في صحيفة "الجمهوريّة":
نظرَت إليه وهو يلاعب طفلته، وقالت له: "ماذا ستفعل لو أنّ رجلاً تزوّجها وأبكاها؟" أجابها: "سأقتله، إنّها ابنتي حبيبتي!"… فقالت والدموع في عينيها: "أنا أيضا لي أب يحبّني!!"
كيف يمكن لرجال يعيشون في القرن الحادي والعشرين، أن يدّعوا أنّهم على قدر من الإنسانية، وكثيرون منهم ما زالوا يؤمنون بحقّهم في تعنيف المرأة؟
كيف يمكن للأمّهات والأخوات والفتيات أن يخلدن إلى النوم بأمان، ويخرجن إلى نهاراتهنّ، وهنّ محاطات بأزواج وآباء وأشقّاء وأبناء لا يتردّدون في المجاهرة بسلطتهم الجسديّة عليهنّ؟ السؤالان بديهيّان، إنّما يحمل كلّ منهما كمّاً لا بأس به من القسوة والإيلام على نساء ما زلن يعجزن عن العيش بكرامة في ظلّ مجتمع تطغى موروثاته الاجتماعية المغلوطة على مبادئه الانسانية.
عقاب نفسيّ
"تزوّجتُ في سنّ مبكّرة ولم أكمل دراستي الجامعية، تقول رانيا، وكنت مخطئة حين اخترت الزواج على العلم، فقد كانت عائلتنا قاسية جدّاً في تعاملها معنا نحن الفتيات، خصوصاً وأنّ الأولويّة والتفضيل دائماً لأخوتي الذكور، فقرّرتُ أن أتزوّج بأوّل شخص يطرق بابي، فتزوّجت وكانت حياتي معه مليئة بالعذاب والعقاب والقهر، فزوجي شخص مرتبط جدّاً بوالدته، ولم يكن له أيّ شخصيّة مستقلّة به وهذا ما أتعبني في حياتي".
وتوضحُ رانيا: "سبب معاناتي أنّني أنجبت ثلاث فتيات ولكنّ أمّه كانت تريد ولداً وكانت تضغط عليه وهو يثور عليّ، ولم يقل لها أبداً "لا" حتى في الشيء الذي لم يكن بيدي وهو إنجاب وليّ العهد".
وتتابع: "صحيح أنّ زوجي لم يضربني أبداً ولكن كلامه كان أشدّ وأقسى عليّ من العقاب الجسدي، وأعترف بأنّ الكدمات الناتجة عن الضرب تشفى، ولكن الجروح النفسيّة لا تشفى، فهي مؤثّرة جدّاً حتى أصبحت لا أطيق نفسي أو بناتي بسبب شدّة قسوته… وقد تمكّنت بعد مضيّ 15 عاماً على زواجنا من الحصول على الطلاق، بعد أن أصبحت حياتي الزوجية كابوساً مزعجاً ومدمّراً".
"حالة نفسية صعبة"
بدورها، تشير ليلى إلى أنّ زوجها كان هادئاً وطبيعيّاً عندما تعرّفت إليه في العمل، وفي أيّام الخطبة كانا يعملان سويّاً في الشركة نفسها وبعدها تزوّجا ولكن… تفيد ليلى: "بعد مدة قصيرة من الزواج اكتشفتُ أنّه حادّ الطباع لدرجة غير طبيعيّة ولا تحتمل، وكنت دائماً أصبّر نفسي لَعلّني بهدوئي واتّزاني أستطيع أن أبدّله ولكن من دون جدوى، وأصبح يصرخ ويوجّه لي كلاماً جارحاً أمام الآخرين سواء كانوا من عائلته أو من عائلتي، فأنا أصبحت لا أقوى على احتمال تصرّفاته، خصوصاً عندما تصل إلى حدّ الضرب". وتضيف: "الغريب في حاله أنّه يصرخ ويشتم ويضرب ويجرح بكلامه ولا يهدأ إلّا عندما تنتابني نوبات هستريا في البكاء، وأحبس نفسي في غرفتي وبعدها يهدأ، ويأتي ليراضيني ولكنّني لم أعد أحترمه ولا أريد البقاء معه، وأريد الانفصال عنه لأنّ حالي النفسية أصبحت صعبة جدّاً بسببه".
"تحوّلتُ الى مُدمنة"
أمّا رولا فترى أنّها أصبحت امرأة مدمنة للأدوية المهدّئة "وذلك بسبب زوجي، لا أقول بأنّني لا أعرف طباعه وأنّني تفاجأت به بعد الزواج، ولكن تصرّفاته بَدت مريبة وغير محتملة"، لافتة الى أنّها تعتبر نفسها زوجة صالحة وأمّاً جيّدة وربّة منزل قادرة على توفير أجواء الراحة له ولأولادهما، وتحتمله كثيراً، ولكن عندما بدأ العزف على وتر الأخلاق – تقول: "تحوّلتُ الى امرأة أخرى أهرب من واقعي الأليم، ما دفعني إلى تعاطي الحبوب المهدّئة حتى أفقد قوّتي وأخلد للنوم لكي أنسى همومي ومأساتي معه، لأنّه أصبح يتلفّظ بكلام لا يُقال ولا يُسمع، ويشكّ بي ويتّهمني بأشياء لم أرتكبها، وما يؤلمني أنّه يهينني ويضربني أمام أطفالي الذين أصبحوا يخافون منه… أنا أشعر باليأس والإحباط وأتمنّى الخلاص ممّا أنا فيه ولكنّني لم أجد من يشجّعني على الطلاق".
الرجل متّهم، كونه إمّا مشاركاً في ممارسة العنف الجسديّ واللفظي والمعنوي، أو مكرِّساً لهذا العنف في السلطات والقوانين الشرعية والشخصية. الرجل متّهم، والمرأة نفسها شريكة أيضاً، فهي التي سكتت عن حقّها، وامتنعت عن رفع الصوت…
حوادث تبقى مكتومة
تشدّد الاختصاصيّة في علم النفس د. نادين صادر على أنّ "العنف ضدّ المرأة يمثّل عقبة أمام تحقيق المساواة والتنمية، والعنف ضدّ المرأة ينتهك وينال على حدّ سواء من تمتّع المرأة بحقوق الإنسان والحرّيات الأساسية"، لافتة الى أنّ "معظم حوادث العنف العائلية تبقى طيّ الكتمان حفاظاً على أسرار العائلة التي يجب ألّا يعرفها أحد على اعتبار أنّها من خصوصيات الأسرة… فالعنف الأسريّ كان ولا يزال يُعتبر مسألة اجتماعيّة مقلقة في المجتمعات الشرقية والغربية علي السواء". وتشرح صادر أنّ "هناك ثلاثة مصادر لأسباب العنف المنزليّ: التنشئة الاجتماعية لمرحلة الطفولة، التجارب السابقة للعلاقات الثنائية في مرحلة المراهقة، ومستويات التوتّر في حياة الفرد الحاليّة"، مشيرة الى أنّ "الأشخاص الذين راقبوا عنف والديهم تجاه بعضهم، أو كانوا هم أنفسهم تعرّضوا للعنف يمارسون العنف في سلوكهم ضمن علاقاتهم التي يؤسّسونها كبالغين"، ومعتبرةً أنّ "المركّبات النفسية للرجال الذين يسيئون معاملة زوجاتهم تُظهر أن لديهم قلقاً طويل الأمد تطوّر مبكراً في حياتهم".
وتضيف: "يتّصل موضوع العنف في لبنان بالثقافة الأبويّة السائدة التي تقاوم إفشاء الأسرار العائلية وتربط بين العنف والأخلاق التي تتحمّل المرأة وزرها في أكثر الأحيان"، لافتة إلى أنّ "هذا الموضوع يغيب عن التداول في المستويات الرسمية، وتغيب كذلك المؤسّسات والمراكز التي تهتمّ برعاية النساء المعنّفات".
من أين تكون البداية إذاً؟ إذا كان المتنازعون في الشوارع يجدون من يفكّ النزاع بينهم، ولكن ماذا يحدث عندما يكون البيت هو مسرح العمل العنيف؟ ولماذا لم تحقّق تحرّكات ونضالات المجتمع المدنيّ المستمرّة منذ أكثر من ستّين عاماً تطوّراً جذريّاً وملموساً في القوانين في مجال مناهضة العنف ضدّ المرأة حتى اللحظة؟
يقول المحامي منير عبدالله إنّ "التعاطي مع موضوع العنف ضدّ النساء يُعتبر حديثاً في لبنان، إذ إنّ طرحه بشكل علنيّ لم يبدأ إلّا منذ سنوات معدودة، ولعلّ الحدث الأبرز في هذا المجال كان تأسيس "الهيئة اللبنانية لمناهضة العنف" ضدّ المرأة التي ساهمت في إطلاق قضية العنف كقضية اجتماعية في لبنان، وكسرت حاجز الصمت الذي يلفّ معاناة النساء المعرّضات للعنف بشتّى أشكاله، ولقد وضعت الهيئة اللبنانية لمناهضة العنف أوّل خطّ ساخن لتلقّي الشكاوى من النساء المعرّضات للعنف. وقدّمت استشارات نفسيّة وقانونية وقضائية للكثير من الحالات، ولكنّ العنف يتجاوز هذه الحالات بأعداد كبيرة، والبَوح بها لا يزال ضعيفاً جداً".
على الصعيد القانوني، يسلّط عبدالله الضوء على المعوقات التي تواجه المرأة لإزالة كل أشكال التمييز ضدّها، لافتاً إلى أنّ "تطبيق القوانين التي ترتكز على المساواة بين الجنسين لم يجرِ تنفيذها بشكل عمليّ خصوصا من قبل القطاع الخاص والمجتمع المدني"، مشيراً الى أنّ "أهمّ التشريعات التي تستوجب التعديل هي: أحكام قانون العقوبات في ما يسمّى جرائم الشرف، أحكام قانون العمل لجهة المساواة في التعويضات كافّة مثل قانون الضمان الاجتماعي ونظام الموظفين، أحكام قانون الجنسية لجهة استفادة الأولاد من جنسية الأم اللبنانية"، مؤكّداً ضرورة "استحداث تشريعات تعزّز المساواة وتردع التمييز على أساس الجنس في المجالات القانونية والاجتماعية كافّة، وتوسيع خطة محو الأمّية القانونية لتشمل الأراضي والمناطق اللبنانية كافّة، واعتماد وسائل التدريب والإعلام ومراكز المراجعة للمواطنين للتعرّف بالحقوق والمساواة بين المرأة وبين الرجل، وتسهيل المراجعات القضائية، وتشجيع تأمين الاستشارات القانونية المجّانية للمرأة خصوصاً، كذلك متابعة التشريعات والقوانين واجتهادات المحاكم للحيلولة من دون إصدار قوانين تمييز ضدّ المرأة أو تكرّس اجتهادات مجحفة بحقّها من قبل المحاكم".
مديرة منظمة "كفى" زويا روحانا ترحّب، من جانبها، بتبنّي المجتمع المدني قضية مشروع القانون إلى جانب الجمعيات التي تناضل من أجل إقراره، عارضة لأبرز التعديلات التي تسرّبت عن عمل اللجنة التي تفقد القانون جوهره وتحول من دون حماية المرأة فعليّاً. وتبدأ "من تعميم القانون وإلغاء تخصيصه للمرأة المستهدفة، بحيث أصبح لكلّ أفراد الأسرة"، مشيرةً إلى أنّ "القانون 422 يحمي الأطفال، والمجتمع ككُل وقانون الأحوال الشخصية وكلّ العقلية السائدة، تحمي الرجل وتجعله الطرف الأقوى. لذا، إنّ المرأة هي التي تحتاج إلى الحماية هنا". وتؤكّد روحانا أنّه "لا يمكن تذكّر المساواة بين الجنسين في بعض الأمور، وإسقاطها في الأمور الجوهريّة".
حماية ووقاية
وتشرح العضو المؤسّس في جمعية "كفى" المحامية ليلى عواضة حيثيّات القانون الذي ينقسم إلى قسمين، الأوّل: حمائي وقائي، والثاني عقابي رادع، وهو يغطّي النقص الموجود في قانون العقوبات.
وتضيف: "أمر الحماية يلزم المدّعى عليه عدم التعرّض للمرأة تحت طائلة الحبس أو التوقيف وتأمين سكن بديل لها أو بقائها في منزلها وخروجه هو منه، إلى جانب دفع تكاليف العلاج الصحّي في حال الإصابة نتيجة العنف، إضافة الى تكاليف نفقة الأولاد في حال وجودهم معها، إضافة الى عدم تمكنّه وفق هذا الأمر من التصرّف بممتلكاتها الخاصة أو المشتركة بينهما، والأهمّ هو إلزامه بجلسات تأهيل من العنف".
وتتابع: "أمّا بالنسبة الى القسم العقابي الرادع فهو يتحدّث عن الشكوى التي لا تتحرّك في القوانين الحاليّة إلّا بادّعاء شخصيّ من المتضرّر، لذلك جاء قانوننا ليحرّك الشكوى بإخبار أي بالتبليغ عن العنف من أيّ شخص لمس العنف الممارَس على المرأة وإن لم تبلّغ المرأة بنفسها".
وتلفت عواضة إلى "غياب الإحصائيّات الرسمية عن عدد النساء المعنّفات في لبنان، لأنّ قضية العنف لا تزال في غياهب البيوت، والإعلان عنها لا يزال ضعيفاً، غير أنّ 300 سيّدة أو أكثر يتّصلنَ سنويّاً بخطّ المساعدة الذي خصّصته الجمعية لطلب الاستشارات وهو 018019/03."
وتعتبر د. صادر أنّ "جزءاً من المشكلة يكمن في تجاهل الرجل كشريك في الحلّ، إذ طالما وصفت غالبية مبادرات الحقوق الإنسانية للمرأة ومناهضة العنف الموجّه ضدّها، الرجل مرتكباً للعنف حصراً، من دون اللجوء إلى التواصل معه ليكون جزءاً من الحلّ أيضا". وتوضح: "المسؤولية الأولى تقع على الرجل بطبيعة الحال، لكن التهجّم عليه دوماً، أدّى إلى زيادة سلوكيّاته التبريرية والدفاعية، وبات يجد لنفسه مخارجَ لعنفه، على رغم أنّها تبقى غير مقنعة طبعا".
وترى صادر أنّ "الانطلاق من جعل الرجل شريكاً في الحدّ من العنف ضدّ المرأة يكون بإعادة تحديد الوظيفة الاجتماعية لكلّ من الرجل والمرأة، والتذكير بإنسانية كلّ منهما ومساواتهما أمام الإنسانية". وبهذا المعنى، "لا يعود الرجل هو السلطة الطاغية، وهو من يقف في الواجهة في الأدوار الحياتية والوظيفة والمنزل، في حين تبقى المرأة محصورة بأدوار هامشيّة". وينطلق تغيير هذه الصورة، وتحديد هذه الوظائف، وفق صادر، "من التربية والتنشئة داخل المنزل، وفي المناهج التربوية في المدرسة لاحقا". وتشدّد صادر على ضرورة "تعزيز المساواة بين المرأة والرجل وتفعيل مشاركة النساء من خلال تطوير السياسات، والإصلاح القانوني، وإدماج مفهوم النوع الاجتماعي، وتعزيز إشراك الرجال في هذه العملية، وإلغاء التمييز وتمكين النساء وتعزيز قدراتهنّ للمشاركة بفاعليّة في مجتمعاتهن".
ويبقى السؤال: هل سيقرّ مجلس النوّاب القانون الجديد للعنف الأسري ليجد يوماً ما طريقه إلى التنفيذ؟ وكيف يمكن أن يتحوّل رجل "معَنِّف" إلى آخر يؤمن بمساواته مع المرأة ويتخلّى عن الصورة النمطية بحقّه بتعنيفها، لمجرّد أنّه… رجل؟