كتب أسعد بشارة في صحيفة "الجمهورية":
الدخول إلى صفحة اللواء نديم لطيّف على الفايسبوك بات كما النظر في مرآة تعكس بدقّة وبدون إفصاح، صورة تاريخٍ حديث فيه من الوقائع والأسرار ما يُنبئ بالكثير من المشاعر المتناقضة الكامنة وراء كتابة لطيّف بضعة «دردشات» مختصرة فيها الكثير من المرارة والقليل من المعلومات بما يخصّ العلاقة مع "القائد العماد ميشال عون"، الذي لا يختلف اثنان على تحديد هويّته.
ظهّر اللواء لطيّف في دردشات قليلة الوجه الآخر لعون الذي يجهله معظم جمهوره، والذي يحرص بعض من عارفيه على التعتيم على ما يعرفونه عنه اعتقاداً منهم أنّ ذلك يحمي التيّار ويضمن استمراريته.
لماذا قرّر المدير الأسبق للأمن العام ورفيق درب العماد عون منذ تولّيه رئاسة الحكومة الانتقالية حتى النفي والعودة أن يتكلّم الآن نصف كلام، ولماذا فقط عبر الفايسبوك، ولماذا استعمل لغةً مرمّزة لا يفهمها إلّا من عايش تفاصيل أحداثها، ولماذا اكتفى بالكلام عن "القائد" من دون ذكر اسمه، في حين سبق له أن صاغ بعناية وثيقة الحكماء الأربعة المسؤوليّة تقتضي ووقّع عليها، فهل تعمّد أن يرسل إنذاراً مكتوباً بكشف المزيد، يعرف أنّه سيصل إلى عون الراصد بعناية كلّ كلمة تُكتب عنه على صفحات التواصل الاجتماعي، فكيف إن كان المدوّن من أهل البيت؟
هل أراد لطيّف أن يهيّئ قاعدة "التيّار الوطني" لما ينوي أن يقوله لاحقاً عندما سيقرّر فتح صفحاته التي دوّن فيها مسيرة طويلة في الشأن العام كان أبرزها قيادة التيّار في غياب الثلاثي عون، أبو جمرة والمعلوف.
لماذا الآن؟ ليس قطعاً بسبب استياء لطيّف من عون الذي لم يفِ يوماً بوعدٍ، وليس انتقاماً من عدم اختياره وزيراً، وليس حرداً من تجاهل عون لابن الشوف وتغييبه عن المصالحة مع وليد جنبلاط التي تمّت في بلدته، بل ربّما حزناً على ما آل إليه التيّار وقائده، ومحاولةً متأخّرة لكشف حقائق عن عون تضرب صورته أمام الجماهير البرتقاليّة المؤمنة بأنّه المخلّص المنزّه عن الشوائب.
يقول لطيف في أولى تعليقاته: "في دردشة لي مع قائد عظيم "مبدئي" قال لي دون أن يرتعش له جفن: "شوف نديم لو هيدا فلان كان Ministrable لكنت عملت منّو وزير. بس قد ما هو مرتّ ما قدرت عملت منّو إلّا نائب". فيا أيّها الشباب اللبناني الطالع التائه في حقل ألغام هذا الوطن المعذّب، إحذر الخيارات الخاطئة وإلّا، أمضيت العمر تسعى وراء سراب".
في هذه الدردشة يبدو لطيّف وكأنّه يريد القول لأهل التيّار وللّبنانيّين إنّ العماد عون قادر بكبسة زرّ أن يحوّل "إنسان مرتّ" إلى وزير في حكومة أو نائب عن الأمّة، ولا يتردّد في نصح الشباب العوني من الرهان على الخيارات الخاطئة والركض وراء السراب.
وهذا هو التعليق الثاني: إلتقيت مؤخّراً (عام 2007 للتذكير بالعنوان) نائباً عن الأمّة اللبنانية شكا لي همّاً له. قال: "يا شيخ مش معقول هيدا الغول (ت) مرافق "القائد". ما بيشبع وبدّو تبقى إيدي دايماً في تمو". إستفظعت الأمر. بما أنّني كنت مستفظعاً أيضاً أموراً أخرى أدهى وأبشع، قصدت "القائد" وأفرغت أمامه كلّ ما كان في جعبتي. أجابني على تساؤلاتي بما لم يقنعني قيد أنملة – سأتكلّم عن هذا الأمر في دردشات لاحقة. أخطر ما في الموضوع هو تجاهل "القائد" لما أخبرته عن "ت" إذ إنّه لم يتطرّق إلى ما أثرت بشأنه لا من قريب ولا من بعيد. و"ت" اليوم هو حيث كان عام 2007. وبعد كلّ هذا لا بدّ للمرء أن يتساءل لماذا تتعرقل… مسيرة الإصلاح والتغيير في هذا البلد المنكود الحظ.
بين سطور هذه الكلمات كشفٌ سافر للإصلاح والتغيير في الدائرة المحيطة "بالقائد" فمن هو الغول (ت) ولماذا لا يشبع؟ ومن هم النوّاب الذين تعبوا من إشباعه وهل بات يتحكّم (ت) بمواعيد "القائد" الذي حين عرف بذلك على ما قاله لطيّف تجاهل وأبقاه إلى جنبه، عِلماً أنّ المعلوم المجهول (ت) تكثر الأحاديث العونية عنه بأنّه يضحك لمن يريد أن يضحك له ويعبس بوجه من لا يعجبه ويسكت من أراد إسكاته، كأنّه ودائماً بلسان عارفيه "كبير البصّاصين" في بلاط السلطان.
في التعليق الثالث لا يتردّد لطيّف في العودة إلى واقعةٍ عايشها خلال الحرب بين الجيش والقوّات فيقول: "واقعة انقشعت بعد 17 سنة – الزمان 3 شباط 1990 الساعة 11 ظهراً، المكان مبنى المديرية العامّة للأمن العام في محلّة المتحف. الواقعة: بعد ثلاثة أيّام من القصف المدمّر على المنطقة، أضحى المبنى أشبه بهيكل عظمي. لم يتبقَّ لي ولضابطين وعشرة مفتّشي أمن عام كانوا معي سوى ركن محصّن جدّاً إنّما بمساحة لا تتعدّى العشرين متراً مربّعاً. كنّا نلج المكان من خلال تجويف أحدثناه في أحد الجدران. لسببٍ لا زلت أجهله حتى اليوم !!!! دخل علينا آمر قوّة الجيش التي كانت متمركزة في مبنى وزارة الاتّصالات المحاذي لمبنانا ومعه حوالي عشرة جنود. قال لي إنّه كان يودّ الانسحاب من المنطقة!!! أقنعته بالعودة إلى مركزه ففعل بعدما رافقه إليه المقدّم مساعدي. إتّصل بي بعد حوالي ساعة من الوقت اللواء عصام أبو جمرا نائب رئيس الحكومة في ذلك الحين. سألني أين كنت فأجبته إنّني كنت في المديرية العامّة. كرّر السؤال مرّتين فأعدت عليه نفس الجواب مرّتين. شعرت وكأنّه كان يشكّ في ما كنت أقول… ثمّ كان 13 تشرين الأوّل 1990 وكان نفي أعضاء الحكومة إلى فرنسا. ثمّ كانت العودة إلى الوطن الغالي عام 2005. (متابعة تفسير الواقعة أعلاه كما تحقّقت منها عام 2007 سأسرده في دردشة لاحقة).
تأتي الدردشة اللاحقة بعد ثلاثة أيّام ويقول فيها لطيّف: "تتمّة واقعة انقشعت بعد 17 سنة". لم تقوَ أصابعي على كتابة هذه التتمّة لأنّ الأمر فيها جلل ومدمِّر… ما كتبت في دردشتي السابقة كنت قد تحقّقت منه بذاتي. أمّا ما كنت وعدت بإكماله في هذه التتمّة فقد أطلعني عليه نائب رئيس الحكومة الأسبق اللواء عصام أو جمرا بعد عودته من المنفى، وبالتحديد بعد سبعة عشر عاماً، أي في العام 2007. إنّي أترك له تقدير ما يتوجّب فعله.
الواضح من هذه الكلمات التي دوّنها لطيّف أنّه كان يتحدّث من خلال وجوده الميداني في مديرية الأمن العام الواقعة جغرافيّاً على خط التماس مع القوّات اللبنانية، عن خللٍ في الجبهة الأماميّة كاد أن يحصل وعمل بنفسه على منعه، كما يتحدّث عن معرفة القيادة وقتذاك بهذا الخلل ما استدعى اتّصال اللواء أبو جمرة به محقّقاً ومردّداً السؤال أكثر من مرّة بحسب لطيّف، فماذا قصد اللواء لطيّف بهذه الواقعة، ولماذا لم يكشف حقيقة الأمر؟
هل كان الأمر يتعلّق باختراق يؤدّي إلى تغيّر مفصليّ في الخارطة العسكرية، وهل اتّخذ العماد عون قرارات خطيرة يومها وماذا كانت تلك القرارات؟
بالسؤال عن تلك الواقعة وألغازها أكّدت أوساط قيادية مقرّبة من اللواء أبو جمرة (الوارد إسمه في دردشة لطيّف)، أنّها بالفعل تخفي أمراً جللاً ومدمّراً لكنّ توقيت الإفصاح عن تفاصيلها يعود لأبو جمرة دون سواه.
في الدردشة الأخيرة يروي لطيّف شيئاً لافتاً عن نظرة القائد إلى العائلة والناس فيقول في التعليق العبرة: "بعدما وضعت إحدى أعتى حروب لبنان أوزارها، وبعدما كانت قد أكلت الأخضر واليابس، وقف "أحدهم" على الأطلال وقال للعائلة: "لقد ارتحتم الآن… اليوم ستبدأ عذابات الناس!". عش رجباً. لست أدري أيّ عجبٍ سترى.
إنّها الدردشة الأخيرة التي تختصر كلّ المعاني كأنّ الرجل أرادها وصيّةً ليقول لكلّ من غابت عنه الحقائق: "أللهمّ أشهد إني بلّغت".
