#adsense

“وثيقة المستقبل” لم تنل حقّها من القراءة والنقاش بعد

حجم الخط

كتب وسام سعادة في صحيفة "المستقبل":

ثمة جملة أساسيّة تضمّنتها الوثيقة السياسية لـ"تيّار المستقبل" التي أطلقها الرئيس سعد الحريري يوم الأربعاء الماضي وهي "ان المشرق العربي الجديد هو الذي يصنعه ثوّار سوريّا وأحرارها اليوم". فالوثيقة نفسها التي تركّز على دينامية "الحركات الشبابية العربية" في تفجير صاعق الربيع العربي، تسلّط الضوء في الوقت نفسه على المسار التواصليّ، والتصاعديّ، لهذا الربيع، من بلد إلى بلد، بحيث أنّه ربيع يبلغ الذروة في الحالة السوريّة تحديداً: فلئن كان الربيع العربيّ ثورة شاملة للشعوب العربية ضد منظومة الإستبداد، وعلى قاعدة إعادة الإعتبار للكيانية الوطنية الخاصة بكل بلد عربيّ، فإنّ الثورة السورية هي مركز الثقل في هذا الإطار نظراً الى استثنائية الإستبداد الفئويّ الشموليّ، في أخبث وجوهه وأكثرها دمويّة، أي النظام الأسديّ. بيد أن ما يجعل الثورة السورية رافعة الربيع العربيّ ككل، هو أنّه سيكون لها تأثير على إعادة تشكيل صورة المشرق العربي الجديد، وليس فقط صورة المجتمع السوريّ بعد "البعث"، ففي الحالة السوريّة بالتحديد يظهر التحدّي مضاعفاً وأكثر.

ففي مقابل "عروبة" البعث الأسديّ، التي ترجمت نفسها حرباً مفتوحة على السوريين واللبنانيين والفلسطينيين في العقود الماضية، تتخذ الثورة السورية لنفسها موقعاً طليعياً في صناعة ما تسمّيه الوثيقة "العروبة الوطنية الجديدة"، تتكامل مع تلك "الحضارية". وتمضي الوثيقة فتشرح أنّ "الثورات الحالية والتي تشترك في عناوين وشعارات: التحرك السلمي، والحرية، والكرامة، والدولة الديمقراطية، لا تريد أحزاباً عقائديةً أو حاكمة. فالمشكلة التي يتصدى لها الشبان الثائرون هي مشكلة الاستبداد باسم الاستقرار، وباسم القومية، وباسم الممانعة- ومشكلة ضياع المصالح الوطنية وتفشي الفساد، ومنع حرية التعبير والاستئثار بإدارة الشأن العامّ وانعدام المساءلة. ولذلك كان هناك ارتباطٌ وثيقٌ بين تحركات الشباب والديمقراطية في كلّ بلدٍ قامت فيه الثورة الشبابية. ولذا فلأول مرةٍ ترتبط العروبةُ الجديدةُ هذه بالديمقراطية من جهة، وبالوطنيين الثائرين من جهةٍ ثانية".

لا يعني ذلك أنّ الوثيقة تعتمد المقاربة "التبجيلية" للربيع العربيّ، بل هي تميّز خطابها على أنّه استشراف لـ"الوعي التاريخيّ" المنخرط في هذا الربيع العربيّ، والمدرك في الوقت نفسه للطابع المرير ليس فقط للكفاح التحرّري الذي تمّ حتى الآن، بل كذلك للكفاح التحرّري الذي ينتظر. تقرّ الوثيقة بأنّ "الربيع السياسي والدستوريّ العربي لم يتبلور بعد بشكله النهائي، ويعاني ما تعانيه المراحل الانتقالية بعد عقودٍ من الاستبداد اقترن فيها الاستقرار بالظلم والقهر والخنوع؛ لكنه سوف يصل بالتأكيد الى إقامة نظامٍ سياسيٍ يقرر الشعب فيه خياراته بواسطة الاقتراع الحر. فالديمقراطية مسارٌ طويلٌ من التطور والتطوير الفكري والممارسة المنفتحة والاقتناع بالمواطنة والاعتراف بالتعددية والمساواة وحكم القانون".

وبهذا الوعي التاريخيّ المقرّ مسبقاً بالطابع المرير للكفاح التحرّري، وانما المتفائل بشدّة في المسار العام، تتقدّم الوثيقة لتأكيد الترابط العضويّ بين الربيعين السوري واللبناني، فترى أنّ الأول "سيكون خيراً على لبنان نظاماً وحريّة واستقلالاً، وعلاقات طبيعية وندّية" كما ترى أن الثاني "لن يستكمل نهوضه وتجدده إلاّ بالالتزام العاقل والفعال من مختلف مكونات الشعب اللبناني بتطبيق الدستور اللبناني من دون استنساب في مواده، لأنّ الربيع العربي يفتح الباب واسعاً لأجواء الثقة والطمأنينة والتغيير الإيجابي، بما يؤمن للبنانيين، وفي المدى المنظور، فرصة التفكير بكل ما هو ملح وضروري في قضاياهم السياسية والدستورية، سعياً الى تعميق الاستقرار وتثبيته بعناوينه المتنوعة".

وبهذه الروحية بالتحديد، يجري تأكيد محورية مفهوم المناصفة، بل أكثر من ذلك يجري تعريفها بأنّها "المناصفة التوافقية غير المأزومة" التي ينجح "شحن طائفي أو هاجس عددي" في تبديلها، كما أنّها المناصفة المحمية بـ"الحوار العاقل والمستنير" وليس بالمزايدات وتوتير الأجواء. بهذه الروحية بالتحديد يصير متكاملاً في الوثيقة معالجة كل من المسألتين الطائفية الإسلامية – المسيحية، والمذهبية السنّية – الشيعية، كما تنجح الوثيقة في إظهار تهافت حجّة القائلين بـ"تحالف للأقليّات" خدمة للإستبداد الفئويّ البعثيّ في سوريا.

وفي كل هذا أربعة خيوط رابطة، لا بدّ من المجازفة في محاولة تبيانها.

الخيط الأوّل هو أنّ الوثيقة ترى ان دينامية الربيع العربيّ ليست انتفاخة ثورة المعلومات والاتصالات والاعلام فقط، ولا هي الدور الفعال للأشكال التعبوية التقليدية للتيارات المنظمة، بل انها دينامية حركات شبابية، وهذه الحركات هي المجتمع المدنيّ للربيع العربيّ، وهي تعكس طبيعته أيضاً كصراع أجيال في جزء منه.

الخيط الثاني هو أنّ الوثيقة تنطلق من خصوصية الفريق الذي يتقدّم بها: "تيّار المستقبل"، من حيث هو تيّار يتبنّى في الوقت نفسه الفكر الليبرالي ويحرص في الوقت نفسه على بناء نفسه كحالة جماهيرية لا نخبوية، والحالة الجماهيرية هي في تعريفها "جامعة للتناقضات والمفارقات"، خصوصاً إذا كانت في بلد كلبنان، هو أيضاً، وفي تعريفه "جامع للتناقضات والمفارقات".

لكن أهمّ ما يميّز "تيّار المستقبل" في هذا الجانب أنّه يعاكس الصورة التي تقسّم الشارع العربيّ بين حركات جماهيرية إسلامية وبين فئات نخبوية ليبرالية متفرّقة. فـ"المستقبل" هو حركة جماهيرية تتبنى الفكر الليبراليّ، وهذا ليس بتفصيل في منطقة اعتدنا فيها أن يكون الليبراليون فيها شللاً مشتتة.

الخيط الثالث، ان كون "تيار المستقبل" ليبرالياً وجماهيرياً في آن يفسّر إلى حد كبير من خلال اصرار قيادته السياسية على ملاقاة ما تسميه الوثيقة "الفكر الديني المستنير" الذي يقوده شيخ الأزهر بمصر، في تأكيده على الحكم المدني والدولة التعددية وعلى حرية الاعتقاد والعبادة والرأي والتعبير والبحث العلمي والإبداع الأدبي والفني، وعلى أنّ الإسلام لا يقول بالدولة الدينية.

أما الخيط الرابع، فهو أنّ هذا التوجه الليبراليّ، الجماهيري، المستنير، الذي يجد صياغة له في "تيّار المستقبل" ورئيسه، يجد أيضاً نموذجاً آخر له في خطاب حزب "القوات اللبنانية" ورئيسه سمير جعجع، لا سيّما كلامه الأخير، الذي أعاد الأمور الى نصابها لجهة رفض المسيحيين "تحالف الأقليّات في إطار الممانعة"، والإصرار بدلاً من ذلك على تشكيل حالة متقدّمة، لا متراخية، في إطار الربيع العربي.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل