لم يعد غريباً عن أي لبناني أن يسمع الجنرال المتقاعد ميشال عون يوزّع شهادات بالوطنيّة و الأخلاق و تهماً بالخيانة و الفساد يميناً و يساراً، لكن ما لم يعد يُحتَمل أبداً هو تجاهل الجنرال أيّ وجود لذاكرةٍ أو عقلٍ مفكّر عند أيّ لبناني لذلك يتفنّن في الاستهزاء بعقول اللبنانيّين وبكلّ أرشيف الإعلام اللبناني المسجّل بالصورة و الصوت.
في أحلك الظروف لم يتهجّم عون على البطريرك صفير، هذا ما صرّح به بعد مسرح الدمى الأسبوعي الّذي يقام في الرابية. إذا اعتبرنا أنّ أحلك الظروف بالنسبة لعون هي فترة حربي التحرير و الإلغاء التّي سبقتا هروبه إلى السفارة الفرنسيّة، فهل يعتبر الجنرال المتقاعد أنّ اجتياح بكركي و حطيم محتوياتها وتعليق صوره في أنحاء الصرح والتعدّي بالضرب على البطريرك ليس تهجّماً؟ أم أنّ قوله إنه البطريرك السياسيّ للموارنة وإنّ لا مرجعيّة للكاردينال صفير سوى رئاسته الروحيّة للطائفة ليس هجوماً على شخص البطريرك ومقامه؟ ماذا عن حليفه سليمان "الصغير" يوم وجّه الإهانة الشهيرة للبطريرك؟ ماذا عن اتّهام البطريرك صفير أنّه أصبح موظّفاً لدى آل الحريري؟ ماذا عن لقب "أبو سمير" الذّي نعت به أزلام عون البطريرك صفير طوال سنوات؟ ماذا عن "الحرم الكبير" الذّي لوّح به البطريرك الراعي في وجهك يوم كان مطراناً على بلاد جبيل؟
هل كلّ تلك الإهانات هي "شغل حرتقجيّة" كما اعتاد عون أن ينعت كلّ صحافي تجاسر على سؤاله عن أي موضوع يشكّل استفزازاً له؟
هل كلّ ذلك هو مجرّد اعتراض مهذّب على مواقف البطريرك صفير في السياسة؟
عذراً يا جنرال إن كان سمير جعجع ليس معياراً للشّرف لأنّه دخل سجن الوصاية السوريّة، فكن على ثقة أن عار "الحكيم" يشرّفنا كلّنا، إن كان سمير جعجع ليس مثالاً يحتذى به لأنّه قاتل طوال الحرب اللبنانيّة أصحاب مشاريع التوطين واستتباع لبنان لنظام الأسد في سوريا فكن على ثقة أنّ إجرام سمير جعجع هو أجدر بالاحتذاء به من سرعتك القياسيّة في اللجوء إلى السفارة الفرنسيّة تاركاً عائلتك وجنودك غير آبه بمصيرهم. إن كلمة الحكيم في إحدى المحاكمات يوم قال: "دخلت السجن بقرار سياسيّ و أخرج بقرار سياسيّ" هي أشرف بملايين المرّات من العبارة الشهيرة "يستطيع العالم أن يسحقني و لن يأخذ توقيعي"، فصحيح أن العالم لم يسحقك لأنك بكلّ بساطة لم تكن موجوداً، فقد هرولت لتقدّم توقيعك في قصر المهاجرين ليرضى عنك أسياد الضاحية الجنوبيّة. و ها أنت كلّ يوم تقدّم توقيعات بالجملة مقابل مكاسب ماديّة وسلطويّة ولو على حساب أعوانك و المقرّبين منك فها هم صقور المقاومة في زمن المنفى بعيدين كلّ البعد عنك و عن سياساتك. نسألك عن عصام أبو جمرة و نديم لطيف وكلّ من كانوا حولك من طينة هؤلاء. وها هو شربل نحّاس ضحيّتك الأخيرة أمام نرجسيّتك القاتلة خير شاهد على "كبرتك" الهدّامة.
أمّا في موضوع بكركي، فلنا الحقّ كلّ الحقّ أن نبدي رأينا في مواقف رأس كنيستنا و أن ننتقدها طالما أنّ خطابنا لم يصبّ في سياق الإهانات و الشتائم الّتي اعتدنا على سماعها منك، ومع احترامنا الكبير لشخص البطريرك الراعي فإنّ كلّ ما نطلبه هو توضيح المواقف الأخيرة الّتي أطلقها تجاه نظام الأسد فلم نتجاسر أن نكيل لبكركي وسيّدها عبارات القدح و الّذم التّي أصبحت خبزكم اليومي لأنّ بكركي وسيّدها يبقيان أوّلاً و أخيراً مرجعيّة كلّ مسيحيّي لبنان وعتبنا على غبطة أبينا البطريرك لن يتخطّى أبداً عتبة الموقف السياسيّ ليطال الاعتبارات الشخصيّة و الدينيّة.
عذراً يا جنرال فنحن لا نتمنّى لأعدائنا أن يكون تقدّمهم في السنّ شبيهاً "بكبرتك" و نتضرّع إلى الله أن يبقي ذاكرتنا الفرديّة و الجماعيّة بعيدة عمّا تسعى إليه من تشويه و تغييب، لأنّ ذاكرة الأوطان ستنبذ أمثالك من مدّعي الفهم و الحكمة و ستجعل من نهايتك السياسيّة القريبة عبرةً لكلّ من سمح لنفسه أن يخوض غمار الحوادث بعكس مسار التاريخ و في نهاية المطاف سينتصر من حافظ على الثوابت و التراث و ستذهب مع أكاذيبك إلى منفى العدالة و التاريخ حيث من سبقك يكتب بثقة على الجدران "عون راجع".