كتب عامر مشموشي في صحيفة "اللواء": لم يعد مقبولاً من الرأي العام اللبناني أن تدّعي قوى الثامن من آذار أنها تملك الأكثرية النيابية التي تعطيها حق امتلاك السلطة، وإدارتها، ذلك أن هذه الأكثرية المزعومة، لم تتمكّن من توفير النصاب للجلسة النيابية التي دعا إليها رئيس مجلس النواب قبل عشرة أيام وعلى جدول أعمالها مشروع القانون المتعلق بـ 8900 مليار ليرة لبنانية التي أنفقتها حكومة الميقاتي من خارج الموازنة، رغم التحدي الذي أطلقه زعيم تكتل التغيير والاصلاح الجنرال ميشال عون في وجه المعارضة (أو الأقلية) حسب نتائج الاستشارات النيابية التي أتت بميقاتي رئيساً للحكومة، وفرض عليه، تشكيل حكومة ضمّت في غالبيتها تحالف الثامن من آذار ومعهم النائب وليد جنبلاط ووزيرين لرئيس الجمهورية، وممثلين لرئيس الحكومة، وأطلق عليها وصف حكومة حزب الله أو حكومة حزب الله وسوريا.
والقراءة العقلانية، وصفت ما جرى في تلك الجلسة التي قاطعها إلى جانب المعارضة، نواب جبهة النضال الوطني وضمناً نواب الرئيس ميقاتي، وصفت ما جرى بأنه يتجاوز حدود الحسابات العددية للنواب الذين حوّلوا الأكثرية الحالية التي حضر منها 59 نائباً إلى أقلية بعد تطيير النصاب نتيجة تضامن نواب جبهة النضال الوطني مع المقاطعين، بل إن المسألة تقع في سياق الاتصالات والمشاورات التي يجريها كل من رئيس مجلس النواب ورئيس الحكومة والتي دخل على خطها رئيس الجمهورية حتى اليوم الخميس موعد الجلسة النيابية التي سيكتمل نصابها بحضور المعارضة ونواب جبهة النضال، لبلورة تسوية مقبولة من كل الكتل النيابية في شأن ملف الإنفاق من خارج الموازنة منذ العام 2006 وحتى العام 2011 ضمناً، وبالتالي تجنيب المجلس النيابي كأس الإنقسامات والتجاذبات مع ما تحمله من انعكاسات سلبية على عمله التشريعي والرقابي، وعلى أن تتيح هذه التسوية في الوقت نفسه إيجاد صيغة قانونية وتقنية لملف الإنفاق من خارج الموازنة على النحو الذي يؤدي الى وضع حدّ للسجال، والخطاب السياسي الحاد والمتشنّج حول هذا الملف والذي يمكن أن ينعكس بدوره توتراً واحتقاناً في الشارع، يحرص الجميع على عدم الاقتراب منه.
ورأت أوساط جنبلاطية أن ما جرى لن يؤثر على الحكومة، وعملها، وإنتاجيتها، خصوصاً وأن رئيس الحكومة متفهم لما جرى في مجلس النواب من قبل نواب جبهة النضال الوطني، وهو وصف هذا الأمر بأنه يقع ضمن خانة الممارسة الديمقراطية البعيدة عن أي خلفيات أخرى يحاول البعض من خلالها ولأسباب باتت معلومة خلق مشكلة للتأثير سلباً على الانطلاقة الجديدة للحكومة، وهذا الأمر لن ينجح، خصوصاً أن الفريق السياسي الموجود داخل الحكومة الذي قاطع جلسة مجلس النواب أكد على موقفه الواضح والصريح على بقائه ضمن صفوف الأكثرية التي تتكوّن منها الحكومة الحالية، كما أكد تمسكه في المستقبل المنظور ببقائها، مشيرة إلى أن تطيير النصاب لا بد من وضعه في سياق أنه جنّب البلاد الانزلاق نحو استفزازات سياسية، وهذا ما حصل بالفعل بعد تطيير الجلسة، بحيث تكثفت الاتصالات والمشاورات بين أركان الدولة وبين قيادات الثامن من آذار وتحديداً الجنرال عون للوصول الى تسوية مقبولة من كل الأطراف وتأتي منسجمة مع ما طرحه النائب جنبلاط في مجلس النواب وعلى الرئيس بري شخصياً والمتعلق بإيجاد تسوية تطوي هذا الملف من دون حساسيات وانقسامات وبعيداً عن الكيد السياسي الذي يحاول البعض ممارسته من خلال الحكومة ومجلس النواب.
وتشير المعلومات الى أن المشاورات التي جرت في الأسبوعين الماضيين، حملت تأكيداً من القوى الوسطية المؤلّفة من مثلث بعبدا – السراي – المختارة، مفاده أن هذه القوى موجودة داخل صفوف الأكثرية ضمن ثوابتها الوطنية التي تفصل بين الاختلاف الحاصل داخل الحكومة حول الأزمة السورية وبين الحفاظ على بقاء هذه الحكومة كضرورة حتمية لحماية الأمن والاستقرار، وتسيير شؤون الناس، من ضمن معادلة تنظّم هذا الاختلاف لتدارك إنعكاساته السلبية على بقاء الحكومة ومنع انتقال فصوله الدموية إلى الساحة الداخلية.
أما على صعيد الملفات الحكومية فهناك توافق، من ضمن هذه المعادلة، على التعاون الإيجابي لتفعيل إنتاجية هذه الحكومة في القضايا المعيشية والاجتماعية والاقتصادية، وهناك تعاون وانسجام بين مختلف وزراء الأكثرية حول هذه المسألة لا سيما بين وزراء حزب الله ووزراء الحزب التقدمي الاشتراكي.
إلا أن هذه المعادلة التي تحرص عليها الوسطية لا تشمل إعطاء شك بياض مفتوح لاستخدام الأكثرية العددية في الحكومة أو في مجلس النواب لخدمة أجندات فريق معيّن يريد من هذه الأكثرية أن تكون معبراً لتحقيق طموحاته السلطوية والكيدية والانتقامية التي في حال تغطيتها أو التماهي معها ستؤدي إلى زيادة الشرخ في البلد وتهديد سلمه الأهلي وعيشه الوطني المشترك.