كتب عمر البردان في صحيفة "اللواء": تكاد تكون أوج الشبه واحدة في الأزمة التي تمر بها الطائفتان السنّية والمارونية، على وقع احتدام الخلاف بين رأسيهما الروحيين، وعدد من قياداتهما السياسية على خلفية حسابات سياسية يأتي في مقدمها النظرة إلى الملف السوري حيث يواصل النظام إجرامه ضد شعبه الأعزل المطالب بالحرية والديموقراطية.
وبدا من خلال الأزمة التي تعصف بمفاصل الطائفتين أن حدة الانقسام آخذة بالاتساع بين القيادات الروحية والزمنية، فالخلافات بين مفتي الجمهورية الشيخ محمد رشيد قباني وتيار «المستقبل» وصلت ذروتها بسبب ملاحظات وضعها الأخير على أداء الأول لاستمراره في استقبال السفير السوري في لبنان، في الوقت الذي يواصل الجيش السوري إجرامه بحق المدنيين غير آبهة للنداءات العربية والدولية التي دعته إلى وقف إجرامه بحق شعبه.
وقد اعتبرت أوساط سياسية في تيار «المستقبل» أن توقيت زيارات السفير السوري للمفتي تثير الكثير من التساؤلات، خاصة وأنها تأتي متلازمة مع اشتداد حدة الإجرام من جانب نظام الأسد ضد الأبرياء من المواطنين في حلب وإدلب ودرعا وغيرها من المناطق، في حين أن معظم الدول العربية اتخذت موقفاً حازماً من سفراء سورية وطلبت إليهم مغادرتها، احتجاجاً على ما يقوم به بشار الأسد وجيشه، في حين أن في لبنان هناك من يحرص على استمرار لقاءاته مع السفير السوري الذي يعمل على فرض إملاءات نظامه على الدولة اللبنانية والتي كان آخرها التحذير الذي نقله إلى الحكومة بضرورة تسليم مسلحي الجيش السوري الحر، مهدداً ومتوعداً.
وقد بلغت حدة التصادم بين «المستقبل» والمفتي قباني إلى أعلى مستوياتها، باعتبار النائب معين المرعبي قباني بأنه منتحل صفة، وهذا ما رأت فيه أوساط مراقبة بأنه يعكس استياءً كبيراً من جانب تيار «المستقبل» ورئيسه على ما يقوم به المفتي، وتحديداً في ما يتعلق بالملف المتصل بسورية، ففي الوقت الذي يستمر الرئيس سعد الحريري في حملته الشعواء على الأسد ونظامه، تفتح أبواب دار الفتوى لسفير سورية في لبنان على نحو لا يمكن السكوت عنه بعد الآن.
ولا تبدو في المقابل أحوال الطائفة المارونية على ما يرام وسط تصاعد المواجهة بين «بكركي» و«معراب» بعد الانتقادات العنيفة التي وجهها رئيس حزب «القوات اللبنانية إلى البطريرك بشارة الراعي من الأوضاع في سورية، والتي تعكس عمق الهوة التي تفصل بين الطرفين، سيما وأن «القوات اللبنانية» لا زالت تأخذ على الراعي إشادته بالنظام السوري بعد المواقف التي أطلقها من باريس، ورغم تراجع البطريرك عن بعض ما قاله في فرنسا، إلا أن ذلك لم يغفر له لدى «القواتيين» الذين استمروا في التصويب على بكركي من وقت لآخر، وهو ما انعكس في حالة البرودة التي سيطرت على العلاقة بين الراعي وجعجع، خاصة وأن الأخير تردد كثيراً قبل المشاركة في اللقاء الماروني الأخير الذي استضافته بكركي، جراء عدم رضاه عن السياسة التي تنتهجها البطريركية المارونية من سلاح «حزب الله» والوضع في سورية.
وتقول أوساط «قواتية» إن هناك أزمة كبيرة بدأت تفرض نفسها بين بكركي ومعراب، وتصاعدت إلى اشتباك بين جعجع ورئيس التيار الوطني الحر ميشال عون، لأنه من غير السهل تفهم ما يقوله البطريرك بشأن الكثير من القضايا السياسية وتحديداً في ما يتعلق بالملف السوري، والسؤال الذي يطرح هنا هل أصبح الراعي مدافعاً عن نظام القتل في سورية ومكلفاً تبييض صفحة الأسد وإظهاره بأنه حامي المسيحيين ورمز للديموقراطية والحرية، وإلى أي مدى يمكن القبول بمثل هذا الكلام الذي يثير الكثير من الاستياء في الأوساط المسيحية التي لم تكن تتصور أن تسلك بكركي هذا الطريق الذي يتعارض مع مصلحة المسيحيين بالتأكيد.