
لا احد يعلم ما هو السر الذي اكتشفه وزير الثقافة غابي ليون، ولم يتمكن وزراء سبقوه من توفيره، للسماح بالبناء على العقار الرقم 1370 من منطقة ميناء الحصن العقارية، حيث يقوم جزء كبير من ميدان سباق الخيل الروماني لمدينة بيروت؟ ولماذا لم يتمكن الوزراء السابقون (الاقرب الى سوليدير) طارق متري وتمام سلام وسليم وردة من تلبية طلب الشركة العقارية، فأوصوا جميعا بعدم امكان المباشرة بالبناء، مع ادخال العقار المذكور في لائحة الجرد العام للمباني التاريخية، وفق قرار صادر في الجريدة الرسمية رقمه 63 (العدد 42 – 2009/9/10).

وزير الثقافة الذي رد الأربعاء باسم المديرية العامة للآثار ناقض بيانا سابقا للمديرية فقال:
ان اعادة دمج الآثار هي الطريقة الفضلى المعتمدة عالميا للمحافظة على المكتشفات في النطاق المديني وهي معروفة من اصحاب الاختصاص باسم Mitigation approach وهي معترف بها من جميع المؤسسات العالمية التي تعنى بالمحافظة على الآثار لاسيما مؤسسة ايكوموس العالمية.
وما تم في اطار مشروع دمج ميدان سباق الخيل الروماني في بيروت يراعي الشروط العالمية في التعامل مع الآثار المكتشفة ضمن المدن وهو ليس تخريبا بأي شكل من الاشكال. اذ ان مشروع الدمج في العقار 1370 – ميناء الحصن يلحظ عدم المس بمدرجات الميدان ويسمح بتفكيك الحائط الوسطي من الميدان واعادة تركيبه في مكانه بعد تشييد البناء؛ مع الاشارة ان هذا الجزء هو كناية عن احجار كبيرة الحجم من السهل تفكيكها واعادة تركيبها دون احداث اي ضرر، وبالتالي تكون تمت المحافظة على المكتشفات بنسبة مئة بالمئة في مكانها الاصلي.

عطفا على ذلك فان الوزارة قد فرضت على اصحاب العقار تحويل الطبقة السفلية الاولى حيث وجدت الآثار متحفا اثريا مفتوحا امام العامة والسياح كما والغاء الطبقة الارضية واستبدالها بممرات للمشاة بشكل يترك المجال مفتوحا ومرئيا من مستوى الطريق العام.
"النهار" حصلت على مجمل المراسلات والكتب التي اكد فيها الوزراء السابقون انه "لا يجوز القيام بأي عمل من شأنه تغيير الوضع الحالي للقعار المذكور".
سأل النائب تمام سلام (الوزير السابق للثقافة) "هل يجوز ان تتحول آثار لبنان والعاصمة بيروت ضحية الاستثمارات العقارية، وهل يمكن ان تتحول الحكومة والدولة اليوم بأجهزتها شهود زور تحت وطأة المعالجات المستهترة بمصلحة الوطن؟
وقال في تصريح: طالعنا تحقيق صحافي امس يسرد وقائع اتخاذ قرار من وزير الثقافة يفسح في المجال للتوصل الى اتفاق مع مستثمري العقار 1370 في وسط بيروت، للمضي في تنفيذ مشروعهم العقاري على ارض ميدان السباق الروماني الاثري من خلال تكفيكه وازالته من موقعه.
واضاف: شاركني وزراء كرام تولوا مسؤولية الثقافة والآثار، منهم سلفي الوزير طارق متري وخلفي الوزير سليم وردة، في التمسك بأهمية المحافظة على ميدان السباق الروماني الاثري والتاريخي، من خلال تصنيفه منطقة اثرية ذات قيمة وطنية تجب المحافظة عليها، والعمل على ابراز معالمها لتتحول معلما تاريخيا يوازي المواقع الاثرية في بعلبك وصور وجبيل وغيرها في لبنان.
قرأنا في التحقيق الصحافي ان وزير الثقافة الحالي اقدم على التفاوض مع اصحاب العقار للسماح لهم باستثمار عقارهم تجاريا والتصرف بالموجودات الاثرية عن طريق تفكيكها لعرض بعضها لاحقا في اسفل مشروعهم العقاري.
هنا لا بد من التوضيح ان معالجة موضوع الآثار التي يجري التنقيب عنها واكتشافها، لا تتم الا من خلال معايير واضحة لا يمكن تجاهلها. وقد وجد القيمون على المكتشفات والمواقع الاثرية في مديرية الآثار ان بعض الآثار المحصورة والصغيرة ممكن نقلها او عرضها في الموقع عينه او مواقع اخرى من دون ضرورة تجميد العقار اياه. ولكن المسألة التي امامنا اليوم هي عبارة عن موقع متكامل ومتوافر الشروط والمقاييس العالمية المطلوبة لتحويله منطقة مستقلة وموقعا اثريا بامتياز، لا ينقصه سوى ابراز معالمه وتنظيفها واظهار جماله ورونقه ليتسنى لكل الناس والمواطنين التعرف عليه.
وختم سلام تصريحه بالقول: ان هذا الذي يجري اليوم لا يمكن السكوت عنه، وما نشاهده من جريمة يجري ارتكابها تمريرا لمصالح خاصة على حساب الوطن. وكان العماد عون اثار بعد اجتماع "تكتل التغيير والاصلاح" الثلثاء الامر فقال مدافعا عن وزير الثقافة": "اولا هناك الكثير من التناقض بيننا وبين "سوليدير" حتى يخضع وزير من عندنا لها. والموضوع المطروح يتعلق بلجنة تقنية معينة من وزير الثقافة غابي ليون، وكانت تبحث في موضوع عقار سيبنى في مكان يحتوي آثارا. وجد حلا علميا للمحافظة على هذه الآثار من اجل المباشرة بالبناء، والحل القانوني المعتمد ليس فقط معتمدا في لبنان بل يعتمد دوليا، وهو ينص على عملية تزاوج بين البناء الجديد وابقاء الآثارات الموجودة. اذا اتأمل من وسائل الاعلام الا تتناول المواضيع بشكل ناقص وتثير الشكوك حول الآخرين".
وردة
وكانت آخر المراسلات في عهد الوزير سليم وردة ردت على كتاب لشركة سوليدير بتاريخ 14 نيسان 2010 اكدت فيه "الحفاظ على جزء من الميدان في موقعه الاصلي وابرازه، وبالتالي وضعه على مسار الزيارات السياحية الثقافية لمدينة بيروت…".

سلام
اما الوزير السابق النائب تمام سلام فرد على محاولة سابقة لسوليدير بتاريخ 20 تشرين الثاني 2008 بطلب "الحفاظ على المكتشفات في داخل العقار، وافادتنا بالسرعة الممكنة عن سير التدابير المتخذة بهذا الخصوص…".

متري
اما الوزير السابق طارق متري فأكد الامر عينه بتاريخ 11 تموز 2008 وجاء في كتابه: ان وزارة الثقافة قررت المحافظة على المعالم المكتشفة في العقار 1370 في مكانها.

مديرية الآثار
وكان المدير العام للآثار فريديريك الحسيني رفع بتاريخ 1 تموز 2008 كتابا الى وزير الثقافة عرض فيه نتائج الحفريات التي تمت في الموقع تعاونا مع سوليدير. وجاء فيه تحت عنوان المكتشفات الآتي:
"بالنسبة الى ميدان سباق الخيل، تم الكشف عن عناصره المعمارية التالية:
1 – المدرجات وهي محفوظة في الجهة الجنوبية للموقع. اما في الجهة الشمالية، فتوجد الاساسات التي كانت تقوم عليها تلك المدرجات.
2 – حلبة السباق اي المسطح الذي كانت تجري عليه عربات الاحصنة وهي بطبيعة الحال مكونة من ارض ترابية وبالتالي لا تزال محفوظة.
3 – الشوكة الوسطية (Spina) وهي عبارة عن منشأة وسطية على طول الميدان تدور حولها الاحصنة خلال السباقات، وهي محفوظة على عرض العقار المذكور.
تجدر الاشارة الى ان جميع العناصر المعمارية التي تؤلف هذا الميدان موجودة بحالة حفظ جيدة.
بالنسبة الى منشآت الحقبة المتأغرقة فهي عبارة عن اساسات لمنازل، على الارجح سكنية. هذا بالاضافة الى بعض المدافن التي تعود الى نهاية تلك الفترة وبداية الفترة الرومانية.
تجدر الاشارة الى انه قبل العام 1975 كان اكتشف العديد من النصوص والتعويذات العائدة الى ميدان سباق الخيل الروماني في منطقة وادي ابو جميل. منذ ذلك الوقت كانت الانظار تتوجه الى الحفريات الاثرية في تلك المنطقة للتأكد من وجود ميدان السباق هذا والذي يتوازى ذكره ومدرسة الحقوق الشهيرة.
وعن اهمية ميدان سباق الخيل من خلال النصوص التاريخية ورد في الكتاب:
تم ذكر ميدان سباق الخيل في بيروت للمرة الاولى في نص احد الجغرافيين (وهو مجهول الاسم) الذي وصف مدن آسيا الصغرى بالاضافة الى العادات والتقاليد التي كانت تمارس فيها، ومن ضمنها حلبات السباق في بيروت، اللاذقية، صور، قيصرية فلسطين والتي اشتهرت بأمجادها الرياضية.
خلال القرن الخامس الميلادي امتعضت السلطات الكنسية من الاهمية التي حظي بها ميدان سباق الخيل عند طلاب مدرسة الحقوق في بيروت الذين كانوا يراهنون على السباقات والعديد منهم كان يشارك بممارسات السحر والشعوذة التي كانت تجري تحت جناح الظلام في حرم الميدان.
فقد ورد عن احد رؤساء مدارس اللاهوت (Zacharie et Scolastique) في كتابه (Vie de Sévère) ان اكثر ما كان يشتت التلاميذ في بيروت كانت سباقات الخيل والمراهنات… الخ.
وعن اهمية المكتشفات من الناحية الاثرية جاء:
بالاضافة الى الحمامات والطريق الرومانية، يمكن اعتبار ميدان سباق الخيل في بيروت احد اهم العناصر المدينية في الفترة الرومانية/البيزنطية التي تم الكشف عنها حتى اليوم. كان هذا الميدان يحظى بحيز مهم في حياة البيروتيين اليومية في تلك الفترات. فالالعاب الرياضية على انواعها كانت من اهم عناصر الترفيه لقاطني تلك المدن وبالاخص لانها كانت تجري تحت رعاية الامبراطور.
من الناحية الانشائية والمعمارية، فان العناصر الموجودة من ميدان السباق هذا هي بحالة حفظ مقبولة، وتشكل وحدات انشائية مكتملة، رغم اعمال الترميم التي يتوجب القيام بها لابرازها.
فالشوكة الوسطية لا تزال محافظة على مدماكها الاساس بالكامل، بالاضافة الى مساحة نصف دائرية مرصوفة بالبلاط في طرفها الشرقي، وهي تشكل نقطة انعطاف عربات الخيل اثناء السباق.
اما المدرجات الجنوبية فهي لا تزال تحافظ على تراصفها وعناصرها التكوينية. فالعنصر الوحيد الذي ازيل مع مرور الوقت هو طبقة البلاط التي كانت تكسو تلك المدرجات.
بالاضافة الى المدرجات فان العديد من الاعمدة التي توجد عادة على المدرجات لا تزال موجودة، مع قواعدها وتيجانها. وبالتالي من السهل اعادة تركيبها في موقعها الاصلي. اما المدرجات الشمالية فلم يبق منها الا الاساسات، ولكن من السهل معرفة مخططها الحجمي والهندسي لاعادة تكوين جزء منها.
في ما يختص بحلبة السباق، فهي تكون عادة من التراب المحدول، وهي بالتالي لا تزال موجودة.
تجدر الاشارة الى ان ميدان سباق الخيل في روما لم يكن يحتوي الا على القليل من اجزائه المعمارية. مع ذلك تمت المحافظة على الموقع بالكامل مع اعادة تكوينه الحجمي من خلال ردم اماكن المدرجات ومن ثم تدريجها لتتناسب مع الشكل الاصلي.
كما ذكر آنفا ان العناصر المعمارية في ميدان سباق الخيل الروماني في بيروت لا تزال محفوظة في شكل مقبول مما يسهل عملية اعادة تأهيلها وترميمها.
وتابع الكاتب: "بالاستناد الى ما ذكر آنفا، وحيث ان الآثار المكتشفة في العقار 1370 ميناء الحصن (وادي ابو جميل) هي في غاية الاهمية الاثرية والتراثية والثقافية للبنان والعالم، وهي تشكل وحدة انشائية متكاملة ومرفقا اساسيا لبيروت على الصعيد المدني في الفترتين الرومانية والبيزنطية.
لذلك، نقترح الحفاظ على المكتشفات الاثرية في مكانها، ومن ثم العمل على اعداد مشروع لتأهيل الموقع بهدف جعله معلما تراثيا ثقافيا وسياحيا لبيروت، اسوة بالمعلم التي تمت المحافظة عليها في المدينة.
للتفضل بأخذ العلم واعطاء التوجيهات التي ترونها مناسبة".