#adsense

15 آذار: الإحتلال الداخلي والتدخّل الخارجي

حجم الخط

حتّى الأمس القريب، كان الشعبُ الفلسطينيّ يختصر في وعي الشعوب العربيّة فكرة «الأمثولة»، في مواجهته لظلم الاحتلال والاستيطان الإسرائيليّين، في بطولاته وشجاعته وتضحياته. «الأمثولة» في أنّ هذا الشعب توقّف منذ عقود عن «عدّ» أمواته وشهدائه. حتّى الشعوب في المنطقة، لا سيّما الشعب اللبناني، التي دفعت أثماناً باهظة في تاريخها المعاصر، غالباً ما دفعت تلك الأثمان من تمزّق أصاب وحداتها الوطنيّة، ولم تدخل تالياً في خانة الأمثولات.

في السنة المنصرمة بينَ 15 آذار 2011 و15 آذار 2012 (اليوم)، ارتقى الشعب السوريّ إلى درجة الأمثولة، بصموده وبطولاته وتضحياته في مواجهة نظام فاشيّ دمويّ موصوف.

أمّا المشترك بين الأمثولتين (والشعبين السوريّ والفلسطيني) فهو أنّ كلّاً منهما يواجه احتلالاً. إسرائيل إحتلالٌ.. وإستيطان. ونظام الأسد إحتلالٌ أيضاً. ولذلك، فإنّ الثورة السوريّة المندلعة منذ عام، بقدر ما هي إنتفاضة ديموقراطيّة للتغيير، إنّما هي حركة تحرّر سوريّة – عربيّة بكلّ ما للمصطلح من معنى.

أوّلاً لأنّه يقتل الشعب و»يتفنّن» في أساليب القتل وصولاً إلى مجازر التطهير المذهبيّ التي تمارس كلّ يوم في مناطق سوريّة عدّة.

وثانياً لأنّه، حتّى بالمقارنة مع الأنظمة التي تمّت إطاحتها في سياق الربيع العربيّ، لا يملك أيّ مشروعيّة (أو شرعيّة) من الأساس تبرّر وجوده، وهو الآتي إلى السلطة بتوريث قهريّ.

وثالثاً لأنّه جعل سوريّا قاعدة عسكريّة – أمنيّة – سياسيّة لإيران ومشروعها في مواجهة العرب والمصالح العربيّة، قاعدة تخترق الجسد العربيّ على حساب التضامن العربيّ، وعلى حساب الموقع الإقليميّ للعرب.

ورابعاً لأنّه نظام امتهن التواطؤ مع إسرائيل عقوداً، حتّى كان جهة تدخّل ضدّ القضيّة الفلسطينيّة وضدّ استقلال لبنان وضدّ استقرار المنطقة، حيث سجّل تاريخيّاً تعاقب موجات التدخّل في الأردن والعراق وغيرهما أيضاً.

هو نظام احتلال لكلّ هذه الأسباب الرئيسيّة. أمّا لماذا الثورة السوريّة إنتفاضة ديموقراطيّة وحركة تحرّر في آن، فلاعتبارين جوهريّين.

أوّلهما أنّ هذه الثورة المعبّرة عن وحدة أطياف الشعب السوريّ، تتطلّع إلى إقامة الديموقراطيّة في رحاب دولة مدنيّة تحفظ التنوّع والتعدّد.

والثاني أنّ هذه الثورة عندما ستنتصر – وستنتصر حتماً – ستغيّر وجه المنطقة العربيّة. ستغيّر وجه المنطقة لأنّها ستحرّر سوريّا من النفوذ الإيرانيّ، وستضع حدّاً لـ «نموذج غريب» من «الممانعة» المقترنة بتواطؤ لا مثيل له مع إسرائيل، وستدعّم القضيّة الفلسطينيّة، وستزيل نظاماً أبرز مآثره تفكيك التضامن العربيّ.. وستفتح المجال أمام إقامة نظام عربيّ – إقليميّ جديد.

ولكلّ هذه المعطيات، أي لأنّ نظام الأسد نظام احتلال، ولأنّ الثورة السوريّة إنتفاضة ديموقراطيّة وحركة تحرّر في آن، فإنّ التقصير العربيّ حيناً والإقليميّ – الدوليّ أحياناً حيال الثورة السوريّة وأنهار الدماء السوريّة، إنّما هي تقصير أخلاقيّ من جهة وسياسيّ – أستراتيجيّ من جهة أخرى.

ثمّة شعبٌ ثائر. وهذا الشعب لا يزال في الميادين عصيّاً على الإخضاع، ونسبةٌ محدّدة من المساعدة والدعم من الخارج تمكّنه من إنهاء المأساة. وهناك من يتحدّث في الأروقة الخارجيّة عن رفض «التدخّل الخارجي»!. هذا الشعب السوريّ البطل يستطيع أن ينتصر ولو طال الوقت، وهناك من لا يريد اختصار المعاناة بذريعة رفض «التدخّل الخارجي»! فهل «التدخّل الخارجي» إحتلال إقليميّ – دوليّ لسوريّا؟ وهل يكون التدخّل الخارجيّ «نقيصة» إذا كان شعب بأكمله يطلبه لوقف المجازر؟ وهل ثمّة معايير قيميّة لرفض التدخّل الخارجيّ في وجه «إحتلال داخليّ»؟ أم ترى الاحتلال الداخليّ أمرٌ فيه نظر؟!

أمس احتفل اللبنانيّون بذكرى 14 آذار، ذكرى ثورتهم على النظام نفسه. واليوم ينبغي أن يحتفل اللبنانيّون والسوريّون معاً بذكرى 15 آذار.

وإلى من يرى – حتّى داخل 14 آذار – أنّ ثمّة مبالغة في مواكبة الثورة السوريّة واحتضانها، أو أنّ المسألة السوريّة صارت أولويّة لبنانيّة «أكثر من اللزوم»، لا بدّ من القول إنّ المسألة السوريّة هذه مسألة لبنانيّة مباشرة. وأن تكون أولويّة فلأنّها إسهام في انتصار القضيّة اللبنانيّة. وهل كان أحدٌ لـ»يتنفّس» لولا حدث الربيع العربيّ عموماً والربيع السوريّ خصوصاً؟ وهل من انتصار للقضيّة اللبنانيّة بدون نهاية نظام الأسد في دمشق؟.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل