كتب جاد يوسف في صحيفة "الجمهورية": «لو يرضى أيّ رئيس أميركيّ بفترة رئاسيّة من أربع سنوات ضارباً عرض الحائط حقّه في التمديد لأربع سنوات جديدة لرأينا سياسة أميركيّة خارجية مختلفة…" هذا ما قاله مصدر مُطّلع في الخارجية الأميركيّة، ردّاً على سؤال عن أسباب المراوحة التي يشهدها موقف الإدارة الأميركيّة ممّا يجري في سوريا هذه الأيّام.
يقول هذا المصدر إنّ الموقف لن يتغيّر على الأقلّ ليس قبل تشرين الثاني المقبل، مؤكّداً أنّ كلّ التحليلات التي تحدّثت عن انشغال إدارة الرئيس اوباما بالهمّ الانتخابي صحيحة.
الصحافة الأميركية منشغلة هذه الأيام بتغطية أخبار المواجهة الانتخابية بين المرشحين الجمهوريين، التي دخلت مرحلة حاسمة قبيل معرفة صاحب الحظ في مواجهة باراك اوباما في تشرين الثاني المقبل. استطلاعات للرأي لا تترك شاردة أو واردة، سواء كانت القضية سياسية أو أمنية أو اقتصادية أو سياسة خارجية.
يقول المصدر نفسه إنّه لو كان القرار الأميركي حاسماً في وضع حدّ لما يجري في سوريا لرأينا اصطفافاً دوليّا من نوع آخر. وهذا ينطبق على كلّ الملفّات الأخرى التي قد يؤثّر انفجارها أو على الأقلّ تأزّمها على "المعركة" الانتخابية الأميركية.
القاطرة الأميركية غير موجودة حتى الآن، وجميع "اللاعبين" الآخرين الذين يسعون إلى أدوار في هذا الوقت الضائع، يعلمون أنّهم يملؤون فراغاً لا بدّ منه في الحلبة الدولية.
أظهر استطلاع للرأي أجرته صحيفة "واشنطن بوست" ومحطة "اي بي سي" الأميركية يوم أمس حول شعبية الرئيس أوباما وحظوظه في الفوز بفترة رئاسية جديدة، أنّ ارتفاع أسعار الوقود أدّى إلى تراجع شعبيته إلى ما دون 30 في المئة. وعلى رغم كلّ المؤشّرات الاقتصادية الإيجابية التي أعطته تقدّما في المرحلة السابقة، فإنّ مؤشّراً رئيسيّا واحداً من شأنه ان يطيح بهذا التقدّم. هذا يعني أنّ أيّ مغامرة أو أيّ كلفة غير محسوبة سواء في ملفّ داخلي أو خارجي، ستعرّض أوباما لخسارة محقّقة. يضيف هذا المسؤول.
وزير الدفاع الأميركي ليون بانيتا ذهب على وجه السرعة إلى كابول من أجل تطويق ذيول قتل جنديّ أميركي لـ 16 مدنيّا أفغانيّا. حادثة تعيد تذكير الأميركيّين وقياداتهم بالكلفة المترتّبة عن استمرار الغرق الأميركي في مستنقع أفغانستان. فأوباما يعلم أنّ استمرار النزف في هذا الملف سيعرّضه لخسائر، سعى طوال السنوات الأربع الماضية إلى العمل من أجل إلغاء تأثيراته على حكمه وصدقيته تجاه ناخبيه. فهل يعقل أن يلجأ أوباما إلى التورّط في مستنقع آخر؟
يقول هذا المصدر: علينا قراءة نموذج التورّط الأميركي المحدود والمحدّد الذي جرى في ليبيا السنة الماضية، لقراءة أسباب هذا الإحجام الأميركي عن التورّط في الملف السوري اليوم. سوريا مختلفة عن ليبيا إذا حاولنا النظر إليها من الخارج. وحتى بعيدا عن كلّ التحليلات ذات الصلة بالأوضاع الداخلية السوريّة أو حتى بالملفات الإقليمية الأخرى، سواء الإيرانية أو الإسرائيلية الفلسطينية أو غيرها. التورّط في الملفّ السوري يحمل تعقيدات جيواستراتيجية وجيوسياسية في المنطقة، والفترة الفاصلة عن الانتخابات الأميركية لا تسمح بالكثير من المناورة، وقد تحمل تعقيدات ليست في الحسبان من شأنها أن تزيد الأمور تعقيدا. وهذا ما ليس الرئيس أوباما مستعدّاً للمغامرة فيه. لقد نجح في التصدّي لكلّ محاولات الجمهوريّين سواء المرشّحين منهم للرئاسة أو لنافذيهم في مجلسي الشيوخ والنواب، لاستدراجه إلى مواجهات في السياسة الخارجية، ولعلّ خطابه الشديد اللهجة أمام مؤتمر "ايباك" اليهودي وانتقاده للأصوات الجمهورية التي دعته إلى "قرع طبول الحرب" على إيران، خير دليل على جدّيته في الحرص على مستقبل حملته الانتخابية مهما كانت "المغريات" .
والموقف من الأزمة السوريّة يأتي في هذا السياق، إذ من غير المقدّر أن يتجاوز الخطابات الاستنكارية والدوران في فلك المواقف الإعلامية الشديدة اللهجة… يضيف هذا المصدر.
في بيان إعلامي مشترك بمناسبة زيارة رئيس الوزراء البريطاني دايفيد كاميرون للولايات المتّحدة نشرته صحيفة "واشنطن بوست" أمس الأوّل، ورد فيه "إدانة لأعمال العنف التي يرتكبها النظام السوري، والتركيز على المهمّة الإنسانية العاجلة المتمثلة في إيصال المساعدات الغذائية والأدوية للمحتاجين، ومواصلة العمل مع شركائنا الدوليّين لتضييق الخناق على بشّار الأسد والعمل مع المعارضة ومبعوث الأمم المتّحدة والجامعة العربية كوفي أنان على التخطيط للمرحلة الانتقالية عقب مغادرة الأسد لسدّة الحكم"… بيان إعلاميّ يعكس حقيقة الموقف الأميركي وحدوده الراهنة من الأزمة السوريّة من غير التمكّن من تقدير "الحلول" الأخرى التي هدّد بها كوفي أنان دمشق في حال لم تلبّ أو تردّ على مقترحاته التي تدور حول وقف العنف ليس أكثر في هذه المرحلة.
يعبّر هذا المصدر عن أسفه من ارتفاع الكلفة البشرية التي سيتكبّدها الشعب السوري خلال عملية إسقاط نظام الأسد. ويجزم بأنّ ما يقوله الرئيس أوباما والإدارة الأميركية بحتمية سقوط هذا النظام هو قول صحيح. ويضيف أنّ رئيساً من دون فترة رئاسيّة جديدة بعد عام، هو غيره اليوم. وما يراه الأسد الآن أنّه انتصارات استطاع تحقيقها على الأرض، مشكلتها الأساسية أنّها ستؤدّي إلى المزيد من التشويه في طبيعة الثورة السورية ومآلها مستقبلا. ويعتقد أنّ الأسلوب القتالي الذي بدأت تعتمده المجموعات المنشقّة والمسلّحة الأخرى سواء ما يدعى بالجيش السوري الحر أو غيره، عبر اعتماد الهجمات على الجيش النظامي في ما يشبه حرب العصابات، سيترك أثراً عميقاً في بنية القوى السياسية المستقبلية في سوريا.