بحسب جريدة "الفايننشال تايمس" عدد نهاية الاسبوع الماضي تاريخ 10-11 آذار، وجه وزير الاعمال البريطاني فينس كابل رسالة خاصة الى رئيس الوزراء ديفيد كاميرون حذر فيها من ان الحكومة "لا تحوز فكرة واضحة عن التوجه الانمائي سوى مسعى معالجة آثار الازمة المالية".
هذه هي الصورة في انكلترا البلد العريق على كل المستويات سواء في مجالات الصناعة، او المال، او العلم، او المسرح وبصورة خاصة ممارسة الديموقراطية الحقيقية، علماً بان مفهوم الديموقراطية الذي نبت مع "الدولة المدينة" في اليونان غير موجود بالفعل في عالمنا اليوم.
في لبنان الحكومة مرتاحة الى الوضع النقدي الذي يسير شؤونه مصرف لبنان بفاعلية على رغم ان هذه الفاعلية لا تأخذ مداها وتأثيرها الكامل، لان عملية الانماء الحقيقي هي نتيجة تفاعل السياسات النقدية والمالية والسياسة المالية في لبنان، منذ زمن، تشكو من قصر النظر.
السياسة المالية لا تولي الانماء وضرورات تحقيق فوائض على حساب ميزان المدفوعات، تسمح باستقرار سعر الصرف وتحقيق معدلات نمو واعدة ما بين 6 و8 في المئة سنوياً، أي انتباه.
فالسياسة المالية المتمثلة بحزمة الضرائب والرسوم وتوزيعات الانفاق تهدف في المقام الاول الى ضبط العجز في الموازنة ولو كان ذلك على حساب تقزيم فرص النمو، كما يظهر بوضوح من التوجهات الضريبية المعبر عنها وثمة توجه لاقرارها عن حسابات 2012.
التحدي الرئيسي في لبنان، هو تأمين ارضية تشريعية وقانونية تساهم في رفع معدل النمو الى مستويات تحققت خلال السنوات 2008 و2009 و2010 وقد اتسمت تلك السنوات بتدفق الاموال على لبنان اذ ارتفعت الودائع المصرفية بنسبة 70 في المئة في ثلاث سنوات، وحققنا فوائض ملحوظة على حساب المدفوعات كان منها رقم مدهش للفائض بلغ عام 2009 اكثر من 8 مليارات دولار.
الصورة اليوم متثاقلة. القطاع العقاري الحيوي لقياس النشاط الاقتصادي في انحسار، والسياحة الى ضمور، ونمو الودائع وتدفق الاموال الى لبنان على تناقص، والخدمات الاساسية للعمل والعيش، كتوافر الكهرباء والمياه والاتصالات، في ترد مخيف.
ان ما نحتاج اليه بالتأكيد لتجاوز وضع المراوحة المملة هو غير ما تقترحه الدولة. فهنالك اضرار بالتأكيد لزيادة معدلات الضريبة على القيمة المضافة حتى لو كانت الزيادة بسيطة وهي زيادة تضيف الى اعباء زيادة المعاشات والاجور وارتفاع معدلات التضخم، وزيادة الضريبة على الفوائد المحققة من الودائع هي بالتأكيد كارثية لمستقبل التحويلات الى لبنان، وستؤدي في حال اقرارها الى عجز ملحوظ على حساب ميزان المدفوعات، ليس فقط نتيجة انخفاض التحويلات والتوظيفات في لبنان، بل ايضاً نتيجة اقبال بعض اللبنانيين على تحويل ودائعهم الى بلدان اخرى. ومن المعلوم ان هنالك بلدانا تحسنت اسعار عملتها وتتقبل ودائع في مقابل مردود اعلى من الفوائد في لبنان، ومن دون تعريض المودع لأي ضريبة.
اما بعد فأين يكمن الحل؟ كيف للبنان ان ينمو وتخفض نسبة الدين العام الى حجم الدخل القومي؟
هنالك تحديان رئيسيان يواجهان الرغبة في الاستثمار في لبنان وتحقيق معدلات نمو واعدة تراوح بين 6 و8 في المئة سنوياً، ومن دون التغلب على هذين التحديين لن نشهد نمواً على المستوى المرتقب بل سنستمر في وضع المراوحة مع ميل الى التأخر سنة بعد سنة.
التحدي الاول واضح ومظاهره الضارة في توسع سنة بعد سنة. هذا التحدي يتمثل في اهتراء اجهزة الدولة، وتقادم وسائل عملها، والميل الغريزي الى تطبيق المشاريع الانمائية، وتردي خدمات الاتصالات، والكهرباء، والمياه، وتشعب تكاليف التقاضي ان على صعيد الكلفة ام الزمن المطلوب لفض القضايا، وهنالك الكثير الكثير من اعناق الاختناق المسيئة، منها مشكلة السير والسلامة العامة على الطرق، والفساد المعشش في القطاعين العام والخاص.
يبدو ان هذا التحدي بحد ذاته كافٍ لطمر الامل في مستقبل افضل، ذلك ان الاصلاح الاداري-وهو عملية تتجاوز في استهدافاتها التعيينات التي هي اصلاً مذهبية ومصلحية قبل ان تكون مثالية – غائب عن ضمير الحكام وتركيزهم.
وما دام الوضع مستمر على ما نشهد كل يوم، يبدو ان التحدي الثاني سوف يستمر في تعطيل مستقبل لبنان، على رغم ان هذا التحدي في حال التغلب عليه يساهم الاسهام في حلحلة التحدي الاول والغاء بعض مظاهره.
التحدي الثاني هو اطلاق مشاريع حيوية لمستقبل الاقتصاد اللبناني واللبنانيين ولو كان ذلك عن سبيل تكليف القطاع الخاص المهمة. وبما ان ثمة حساسية مفرطة حيال تخلي الدولة عن بعض ادوارها – لان وظائف الدولة تقاسم بين الافرقاء الفاعلين – يمكن ان نبدأ مسيرة الانماء بتنفيذ مشاريع حيوية لا تضر بدور الدولة او حتى تختصره.
نعود هنا الى موضوعين: انجاز خط لنقل الغاز من شمال لبنان الى جنوبه، او العكس بالعكس، وانشاء مصفاتين لتكرير النفط الخام مكان المصفاتين المتوقفتين عن العمل منذ عقود من دون اختصار نفقات الموظفين والعمال.
خط الغاز الذي اقترحنا انجازه قبل سنوات، وخصوصا من طريق تمديده تحت خطوط السكك الحديد غير المستعملة توفيراً لتكاليف الاستملاك، له منافع كبيرة يمكن تعداد بعضها بسرعة:
– توفير الغاز لمصفتي البارد والزهراني الامر الذي يخفض تكاليف انتاج الكهرباء، وتكاليف استيراد المشتقات بما لا يقل عن 400 مليون دولار سنوياً، واذا انجزت اعمال تأهيل لمعملي الزوق والجية وجهزنا المحطتين بمعدات للانتاج مع استعمال الغاز، يصير الوفر على مستوى مليار دولار سنوياً، أي ما يساوي نصف العجز الحالي.
– اسعار الغاز انخفضت بقوة، لان الولايات المتحدة، الدولة الاكثر استهلاكاً للغاز في العالم، تحولت من دولة مستوردة للغاز السائل الى دولة مصدرة للغاز الطبيعي والسائل، وقد ألغت عقوداً مع قطر، التي باتت اهم دولة في مجال تصدير الغاز السائل دولياً. وجدير بالذكر ان سعر الغاز للاستهلاك في الولايات المتحدة، تدنى نتيجة المنافسة الى ربع مستوى اسعار صادرات الغاز السائل الى اوروبا الغربية، وكوريا واليابان والهند، ولهذا السبب تعيد قطر تقويم بعض عقودها، وتسعى الى تسويق كميات من الغاز السائل بأسعار تنافسية.
ان وضع اسعار الغاز وتوافره يفرضان علينا التعجيل في تنفيذ مشروع مد خط الغاز المقترح من وزارة الطاقة، ومباشرة التفاوض مع قطر على استيراد الغاز السائل، وانشاء معامل لاستقبال هذا الغاز وتحويله لطبيعته الغازية القابلة للاستعمال. وثمة فرصة حقيقية لاستقطاب استثمارات عربية ملحوظة في انشاء مصفاتين تساهمان في توفير حساب ميزان مدفوعات بـ600 مليون دولار سنوياً، تضاف الى وفر الغاز.
ان الخطوات المشار اليها تساعد على انعاش الحركة الاقتصادية وتحويل التوقعات عن الغرق في التشاؤم الى التفاؤل، وتؤدي خلال سنوات قليلة، وبعد الانتعاش الناتج من زيادة الاستثمار، الى دفع لحجم الدخل القومي، وضمور للدين العام، مع تحسن هيكلية تكاليف اكبر قطاع للإنفاق أي قطاع الطاقة. ولا يخفى ان مشاريع كهذه تتكامل حكماً مع أي اكتشافات للغاز والنفط في المستقبل القريب.
قبرص اليونانية، التي زارها الرئيس بري لتقصي مشاريعها الغازية، اكتشفت الغاز في وقت قصير، وانجزت اتفاقاً لاستيراد 2000 ميغاوات من الطاقة الكهربائية المنتجة على الغاز من اسرائيل، أي ما يساوي الطاقة الاضافية الاجمالية المطلوبة للبنان. وقبرص عقدت اتفاقاً مع شركات انتاج الغاز في اسرائيل، ومع الحكومة الاسرائيلية، لانشاء مصنع لتسييل الغاز وتصديره بكلفة 10 مليارات دولار.
كل هذا حققته قبرص التي يبلغ عدد سكانها اليونانيين 700 الف في اقصى حد، خلال وقت قصير، لان القرار اسرع منه في لبنان، ولان مصلحة المواطنين تقدم على مصالح السياسيين، والنزاعات الطائفية انقضت وان بصورة بشعة منذ عام 1973.