من المستحيل أن يعود الأسد إلى إحكام قبضته على سوريا كما كانت، ولكن مستحيلٌ إسقاطُه بالآليات الحالية: تفكّك متزايد في المعارضة، وعجزٌ عربي وارتباكٌ دولي. وهكذا، تتجه سوريا إلى «الاهتراء».
هذا التعبير بدأ يستخدمه ديبلوماسيون ومحلّلون غربيون في توصيفهم المشهد السوري، فالنظام يستفيد من الوقت المتاح له، فيَمضي في القمع بلا حدود، لعلّ اللحظة الإقليمية والدولية تتيح له سحق المعارضين على الطريقة التي تمّ فيها سحقُ حماة في العام 1982. وتعاني المعارضة الإحباط والخيبة من المجتمع الدولي، فهو لم يتدخّل لوَقف حمّام الدم على رغم سقوط أكثر من 7 آلاف قتيل. لكنها لا تريد ولا تستطيع العودة إلى الوراء، أي التسليم للأسد، ولذلك ستجد نفسها أمام خيار وحيد هو السلاح. وهو ما بدأت القوى العربية الداعمة للمعارضة، أي السعودية وقطر، المناداة به جدياً في الأسابيع الأخيرة. وفي النهاية، سيتوافر هذا الأمر تلقائياً، ويتمّ ابتداع السُبل إلى تحقيقه.
ويبدو النموذج السوري مختلفاً عن سوابقه العربية، فالنموذج اليمني يعني للأسد أنه سيرحل في النهاية، ولذلك هو يرفضه. والنموذج المصري تجاوزه الزمن، أمّا النموذج الليبي، فيبدو الأسد مطمئناً إلى أنه لن ينطبق على سوريا. ومن هنا، إمعانُه في المواجهة بالنار. فهو يطمح إلى إثبات أن سوريا ليست كسواها، وأنه ليس القذافي أو مبارك أو صالح.
وفي أي حال، لا يستند الأسد إلى سراب، بل هناك عناصر وأوراق عدّة يرتكز إليها للتمسك بتصلّبه. وحتى اليوم، لا تبدو مواقف العديد من القوى الإقليمية والدولية من مسألة إسقاط النظام حازمة، بما في ذلك الموقف الإسرائيلي. ومعلوم امتلاك الأسد لأوراق تتعلّق بالسلفيين والأقليات على السواء، وبالاستقرار الداخلي لمعظم الدول المجاورة لـ سوريا. وليس في الأفق ما يوحي بتبديل في الموقفين الروسي والصيني في مجلس الأمن. كما أن الأسد يستند إلى دعم من الحليف الإستراتيجي الإيراني الذي يسخّن معركته النفطية مع الغرب، ويطلق البالونات في الملف النووي، لتأمين غطاء ناري يحمي الحليف السوري. وكان الأسد هدّد مراراً بإشعال المنطقة، إذا ما حصل تدخّل عسكري غربي ضده. ولوّح بإقفال مضيق هرمز وإطلاق مئات الصواريخ على إسرائيل، وتنفيذ عمليات ضد المصالح الغربية في العالم. وقال الأسد علناً: إذا أرادوا تقسيم سوريا، فإن التقسيم لن يقتصر عليها، بل سيشمل المنطقة بأسرها.
فالمواجهة في سوريا ذاهبة إلى الأسوأ، ما لم يحصل انقلاب كامل في المقاربة العربية والدولية للملف. فالأسد يخوض معركة الحياة أو الموت، والمعارضون كذلك، لأنهم إذا سلّموا أعناقهم للنظام، ولو أوْهَمَهُم بالإصلاح، فسيجدون أنفسهم تحت المقصلة حتى إشعار آخر، وسيكون الآلاف من الضحايا قد ذهبوا سُدى، وسيشكّل ما جرى درساً سيّئاً لكلّ من يريد الثورة على النظام في المستقبل.
أمام استحالتين للتراجع، تبقى المواجهة المسلّحة خيارا محتوما. وهذه المواجهة تطلّ ملامحها تدريجاً، وهي مرشّحة للتحوّل حرباً أهلية ذات طابع مذهبي. وبات واضحاً أن تأخّر الحسم في سوريا يأخذ المواجهة نحو الحقد والتشنّج، أي إلى طابع السلاح والتطرف والمذهبية، فيما كان الحلّ المبكر يتيح إمكان التسويات السياسية والاعتدال والدولة المدنية.
ويبدو كلام الوزير السابق وئام وهّاب معبّراً: "إذا كان المطلوب إسقاط الأسد، فلن تكون هناك سوريا، تلك التي تعرفونها اليوم". وهذا الكلام يبدو في محلّه، لأن الأسد سيواجه محاولة إسقاطه بكل ما يملك. وقد يؤدي ذلك إلى حرب طويلة لا هوادة فيها ولا منتصر ولا مهزوم في المدى المنظور، ما قد يعني ذهاب سوريا في اتجاهٍ ما بين النموذجين العراقي واللبناني، وليس في اتجاه نماذج الربيع العربي الأخرى.
وهذا ما يصفه ديبلوماسيون ومحللون غربيون بأنه الوصول بسوريا إلى حال الاهتراء. وفي هذه الوضعية، يصبح ممكناً أن تتحقّق خيارات كثيرة، وبينها التفتيت أو التقسيم، في ظلّ الفقدان الكامل للسلطة المركزية، واستيلاء القوى المذهبية المتشدّدة على زمام الأمور، كلٌّ في منطقة خاصة به. ويؤكد هؤلاء أن أبرز الهواجس التي تتحكّم بالقوى المتريّثة في المطالبة بإسقاط الأسد، دولياً وإقليمياً، باستثناء إسرائيل ربما، هو الحرب الأهلية والتقسيم. ويفسّر الديبلوماسيون تراجع حدّة الهجمة التركية على الأسد بأنها محاولة لتجنّب الانزلاق في أوضاع تهزّ استقرار سوريا ووحدة أرضها. فالعلويون في تركيا يستشعرون القلق من سقوط النظام في سوريا. وقد يؤدي "اهتراء" الوضع الأمني والعسكري والاجتماعي، على ضفتي الحدود عند لواء الإسكندرون، إلى فتح أبواب الخطر على تركيا بأكملها، خصوصاً إذا تَرافق ذلك مع اهتزاز الوضع الكردي.
وهكذا تكون سوريا قد أمضَت عامها الأول في صفّ "الحرب الأهلية"، وقد تتدرّجُ في صفّ "الاهتراء الكامل"، وصولاً إلى التفتيت أو التقسيم. والسبيل الوحيد إلى إنقاذ سوريا هو بالحسم اليوم، لا غداً، لأن الحسم أمس كان أرخصَ ثمناً وأسْلمَ للجميع.