معالجة مشكلة «داتا» الإتصالات المستجدّة مع الجيش سطحياً تدلّ على هشاشة السلطة الحاكمة وعجزها
المطلوب إقرار آلية قانونية نهائية تمنع تكرار المشكلة وتضع حدّاً نهائياً لاستنسابية الوزير ومزاجيته
إستفحال مشكلة «الداتا» بسبب تمنّع وزير الإتصالات عن إعطائها لكل الأجهزة الأمنية، في الوقت الذي تمّ فيه الكشف عن شبكة تخريب داخل الجيش اللبناني، يطرح أسئلة واستفسارات؟!
باتت مشكلة حجب «داتا» الاتصالات التي تثار هذه المرّة من خلال ما قيل عن شكوى قائد الجيش العماد جان قهوجي شخصياً من تمنّع وزير الاتصالات عن تزويد مديرية المخابرات ما تطلبه من بيانات في هذا الخصوص للقيام بما هو مطلوب منها في إطار المهمات الملقاة على عاتقها بتعقّب وملاحقة الشبكات الإرهابية والإجرامية والجواسيس وغيرهم، بعد أن كانت هذه المشكلة محصورة في السنوات الماضية مع شعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي على خلفية نكايات سياسية حيناً ولاعتبارات أمنية لها علاقة بتحالفات الوزير المحلية والإقليمية كما هو معروف في بعض الأحيان، تتطلب معالجة جذرية على مستوى الحكومة ككل لصياغة وإقرار آلية قانونية ثابتة لحل هذه المشكلة التي تتفاعل من وقت لآخر من جميع جوانبها ولمرّة واحدة ونهائية، على أن تأخذ بعين الاعتبار المتطلبات اللازمة التي توجب على الأجهزة الأمنية المعنية طلب الحصول على «الداتا» المطلوبة من وزارة الاتصالات لتمكينها من القيام بالمهام المنوطة بها في إطار القانون، وتضمن في الوقت نفسه وضع حدّ نهائي لاستنسابية وزير الاتصالات أو مزاجيته الشخصية أو تبعيته السياسية في التجاوب أو التمنّع أو التلكؤ في إعطاء البيانات كما هو سائد في الوقت الحاضر، لأنه لا يمكن الاستمرار بالطريقة المتبعة حالياً إلى ما لا نهاية، لئلا تؤدي إلى تفاقم المشكلة نحو الأسوأ، و،تعرّض عمل الأجهزة الأمنية الى التعثّر والتباطؤ في القيام بالمهمات المناطة بها وتكشف لبنان أمام أخطار كثيرة محدقة.
فاستفحال مشكلة «داتا» الاتصالات على النحو الذي ذكر على لسان رئيس الجمهورية بعد اجتماعي المجلس الاعلى للدفاع ومجلس الوزراء مؤخراً، لتشمل تمنّع وزير الاتصالات عن إعطائها لكل الاجهزة الامنية في الوقت الذي تم فيه الكشف عن الشبكة التخريبية داخل الجيش اللبناني، يطرح تساؤلات واستفسارات عديدة عن اسباب هذا التمنّع غير المبرر على الاطلاق، وعما إذا كان مرتكزاً الى دوافع سياسية معينة، او لاعتبارات لم يكشف عنها وقد تثير شكوكاً والتباسات لدى الرأي العام في هذه المرحلة الحساسة والدقيقة، إذا لم يبادر وزير الاتصالات الى وضع حدٍ نهائي لكل ما يجول في خواطر ونفوس المواطنين بهذا الخصوص ويحدد موقفاً واضحاً يزيل كل هذه الالتباسات، ويؤكد التزامه الثابت في القيام بالواجبات المطلوبة منه بدون أية عوائق او إعتبارات سياسية وغيرها، وإلا ستقوى هذه الشكوك ويبقى الوزير عرضة لشتى التكهنات والاستنتاجات الملتبسة لدى معظم اللبنانيين وصولاً الى ادراجه في دائرة الشبهات وإتهامه بتعريض أمن لبنان ككل للخطر والانكشاف تجاه ما يحدث في سوريا وغيرها من تطورات امنية متلاحقة في هذا الوقت بالذات، وإمعانه بعرقلة مكشوفة ومتعمدة لعمل ومهمات الاجهزة الامنية في الدولة اللبنانية.
ويبدو من خلال الأحاديث التي تناولت مشكلة «الداتا» المستجدة هذه المرة مع الجيش، أن معالجتها لن تختلف عن سابقاتها في تطييب الخواطر والطلب الودي لوزير الاتصالات كي يتجاوب مع مطالب مديرية المخابرات في هذا الخصوص من دون التوجه لطرح هذه المشكلة التي تتجدد باستمرار على طاولة مجلس الوزراء وهي تستأهل ذلك نظراً لاهميتها ومؤثراتها على الوضع الأمني ككل في البلاد، لتحديد الأطر القانونية والضوابط اللازمة، لمنع تكرار نشوب مثل هذه المشكلة مع أي جهاز أمني من الأجهزة الثلاثة يريد الحصول على «الداتا» في المستقبل في اطار المهمات المنوطة به، لأن مثل هذا الطرح قد يثير حفيظة بعض الوزراء المتحالفين مع وزير الاتصالات وتياره، ، ويضع مجلس الوزراء في أجواء من التصعيد السياسي الساخن الذي خيم على جلساته السابقة بفعل تشبث وزير العمل السابق شربل نحاس بطروحاته السياسية والتفاعلات التي أدت الى ارغامه على الاستقالة من الحكومة الحالية، وهو ما يتجنبه كبار المسؤولين في هذه المرحلة بالذات، لئلا تؤدي خطوة من هذا النوع الى اهتزاز حكومي جديد، يزيد من الاهتراء في العمل الحكومي ككل ويباعد بين مكونات الحكومة وأطرافها، اكثر مما هو سائد حالياً.
وفي ضوء ما حصل، تدل المعالجة التقليدية لمشكلة «الداتا» المستجدة على هشاشة السلطة الحاكمة بأكملها وعجز كبار المسؤولين عن مقاربة هذه المشكلة التي تتجدد من وقت لآخر باستمرار، بمسؤولية من يتبوأ السلطة وبأسلوب جديد وآلية قانونية تتجاوز المعالجات السابقة وتؤسس لمرحلة جديدة من التعاطي بين وزارة الاتصالات والاجهزة الامنية في البلاد، لتفادي المزيد من المشاكل والاهتزازات التي تنعكس سلباً على سمعة الحكومة والسلطة ككل، وتضع حدّاً لتحكم وزير الاتصالات بما تطلبه الاجهزة الامنية من «الداتا» في المستقبل. وكان الأجدى أن تبادر الحكومة الى تلقف المشكلة الحالية وتضع حلاً لها على طاولة مجلس الوزراء كما هو معمول به في سائر الدول، لا أن تتجاوزها بتبويس اللحى كما حصل من قبل وتنتظر ان تنفجر أمامها مشكلة جديدة بين وزير الاتصالات واحد الاجهزة الامنية قريباً كما هو متوقع في اطار ممارسات الوزير المذكور وسلفيه في وزارة الاتصالات من قبل.