لو لم أكن ابن بلدة مجدليون العائدة إلى كنف ذاك الجنوب الجريح،
ولو لم أكن شاهد عيان على حوادث منطقة شرقي صيدا في العام 1985،
ولو لم أكن مشاركاً في الدفاع عنها وحاضراً للموت في سبيلها وناذراً نفسي لخدمتها،
ولو لم أكن مطّلعاً جيداً على تسلسل الحوادث وتطوّرها،
ولو لم أكن متابعاً للشأن السياسي وكاتباً فيه منذ سنوات طوال،
ولو لم أكن أنتمي لمقاومةٍ فاق عمرها الثلاثة عقودٍ من الزمن أمضتها دفاعاً عن الوجود،
لكان كلام الضابط المتقاعد ميشال عون المتعلّق حوادث الجنوب قد فعل فعله وتسلّل إلى أفكاري ونسج في مخيّلتي سيناريوهات واهية، وضخّ معلومات مزيّفة ورسم وقائع بعيدة عن أرض الواقع.
أما حقيقة الأمر فتكمن في بضعة سطور تتلخّص بأن بلدات ومناطق شرقي صيدا كغيرها من لبنان تعرّضت لمحاولة اجتياح شرسة من قبل تنظيمات فلسطينية مسلّحة، وذلك عقب الانسحاب الإسرائيلي في العام 1985، فتصدّى لهم أبناء المنطقة الذين ينتمون بغالبيتهم إلى "القوات اللبنانية"، فصمدوا، وواجهوا هذا الاجتياح بإمكانات متواضعة إنما بمعنوياتٍ عالية، فسقط منهم جرحى وأسرى وشهداء في ساحات الشرف. واستمرّت منطقة شرقي صيدا في الدفاع عن النفس، والأرض، والعرض، والكرامة، مانعة اجتياحها، حتى لاح في الأفق اتفاق على وقف إطلاق النار، وبالتالي دخول الجيش اللبناني إلى مناطق القتال، إلاّ أن قائد الجيش آنذاك، الضابط ميشال عون، اشترط انسحاب "القوات اللبنانية" وترك مواقعها قبل دخول الجيش وتعهد بالمقابل تأمين سلامة الأهالي وعدم التعرّض للأرزاق والممتلكات.
التزمت "القوات اللبنانية" الخطة الأمنية وانسحبت من كافة بلدات شرقي صيدا بانتظار تنفيذ الخطة ونشر الجيش، إلاّ أن وحدات الجيش لم تنتشر ونكث عون بوعوده معرّضاً القرى والبلدات لأخطار جسيمة، حيث ترك أبناء المنطقة يُواجهون مصيرهم. فاجتاحت التنظيمات المسلّحة المنطقة من كل الجهات، بغياب أي رادع، بعد أن مهدوا لهذا الاجتياح بهجومٍ مدفعيّ كثيف وغطاء صاروخيّ عنيف، ما حوّل البلدات إلى أرضٍ محروقة، والبيوت إلى أطلال، والكنائس إلى رُكامٍ وذكريات. في وقتٍ كانت أرتال السيارات التي تنقل النازحين تمتد من كفرفالوس إلى أعالي جزين، حيث يمتزج بكاء الأطفال وصراخهم الذي يُدمي القلوب بنحيب النسوة الذي يهزّ الضمائر ويملأ الساحات. مشهدٌ محفورٌ في ذاكرتي ما حييت، يكاد لا يوصف لفظاعته، ولا يُصدّق لقساوته، لكنه الواقع.
نعم، إنها الحقيقة المرّة، أن ضابطاً يحتلّ منصب قائد الجيش، تمرّد على المراجع السياسية ورفض تأمين الحماية للمدنيين، ضارباً بعرض الحائط شرفه العسكري، وأهمل قَسَمَهُ للدفاع عن الوطن، فسالت الدماء وهُجّر الآلاف، وأُعيق المئات، وأُحرقت الممتلكات، ودُنّست المقدّسات.
إلاّ أن هذه الأرض المقدسة، التي مشى عليها سيدنا يسوع المسيح، وانتظرته فيها العذراء مريم، هذه الأرض رفضت أن تأوي غير أبنائها، فعادوا إليها بعد سبع سنوات من اغتصابها، عادوا إليها بعزيمةٍ لا تلين، وصلابة مستمدة من الحقوق المستردّة.
إلاّ أنه حيال كل هذه العوامل، من معارك، وجبهات، واجتياح مناطق، وتهجير، ودماء، وشهداء، ودموع، وثمّ عودة النازحين، وإعادة بناء، يبقى الثابت الوحيد في بحر هذه المتغيّرات هو كتاب التاريخ المتنازع عليه، الذي سيكتب بكلماتٍ وعباراتٍ ساخرة: "إن رجلاً امتهن الدجل منذ نشأته وثابر عليه حتى شيخوخته… كما أساء لشعار المؤسسة العسكرية فلم يَعرِف الشرف ولا الوفاء يوماً، أما التضحية فكان مفهومه لها أن يُضحِ بالبشر والحجر في شرقي صيدا … وهكذا كان.
ومن جملة المتغيّرات أيضاً أن ذاك الضابط المتقاعد تبدّل مزاجه مع الأيام حتى بات مؤيداً للدويلة بدل الدولة، ومنادياً بشرعية السلاح بدلاً من سلاح الشرعية، أما عن صفاته فهو قصير القامة شكلاً … إنما طويل اللسان حقاً، وما يُميّزه عن سواه أنه مخادعٌ … بلا مُنازع، ويصف نفسه بعظيمٍ من لبنان".
ويُنهي كتاب التاريخ كلامه عن هذه الحقبة بالقول: "نعم، إنها سخرية التاريخ، إنما ملزمون بنشرها، فعُذراً يا شعب لبنان العظيم".