
كتب إيلي الحاج في "النهار": ما إن انصرف الجمع إثر احتفال "البيال" مساء الأربعاء، حتى بدأت عملية تقويم شاملة في الغرف المغلقة داخل قوى 14 آذار وخارجها لمفعول الظاهرة التي جسّدها شباب مستقلون وملتزمون مبادئ "ثورة الأرز"، أسمعوا القيادات والناس شكاواهم وآمالهم وأحلامهم.
لم يكن لهؤلاء المستقلين، المعروفين منهم أو شبه المجهولين أي دور بعد الـ 2005. لا أحد سألهم رأيهم أو أبدى استعداداً لأخذه في الإعتبار إذا تمكنوا من إيصاله بوسيلة ما إلى شعب "ثورة الأرز" . لا في الذهاب أو عدم الذهاب إلى مؤتمر الدوحة كان لهم حساب، ولا في التسوية التي نتجت منه، ولا في معادلة "السين- سين" التي حكمت لبنان وتحالف القوى السيادية حقبة من الزمن. لكنهم ممثلين ببعضهم كانوا حاضرين في خمسة مؤتمرات نظمتها قوى 14 آذار وشاركوا في وضع وثائقها وقراراتها التي لم تنفذ في غالبيتها، ولا سيما في شقها التنظيمي. كذلك ساهموا بفاعلية في مؤتمرات أخرى تدور في فلك 14 آذار على غرار "لقاء سيدة الجبل". وثمة كثيرون منهم نزحوا من الشأن العام إلى شؤونهم الشخصية.
يعتبر المنضوون إلى حركة "اليسار الديموقراطي" من ضمن الفئة النخبوية إفرادياً وجماعياً، وقد عبّرت هذه الحركة عن اعتراضها على المسار الداخلي في 14 آذار على طريقتها . ولعلّ المستقلين حتى عن تلك الحركة من الطائفة الشيعية كانوا وما زالوا الأكثر عرضة لمشاعر الإحباط والغربة في فئة من المواطنين المؤمنين بـ"لبنان أولاً" . فإلى أين يتوجه اللبناني إذا كان شيعياً ويغلّب لبنان الحر السيّد المستقلّ على كل ما سواه؟
صحيح أن ثمة أحزاباً لا تقتصر على لون مذهبي واحد في قوى 14 آذار، لكن قواعد كل من المكوّنات الكبرى لهذه الحركة يطغى عليها اللون الواحد ، وشدة الإحتدام بين المذاهب لا سيما في البيئة الإسلامية، تفقد الشيعي المستقل المتمسك بمبادئ "ثورة الأرز" القدرة على التحاور وبالتالي التأثير في أبناء مذهبه في حال التزم "حزب المذهب الآخر"، إذا جاز التعبير. فهو سيوصم بأنه تخلى عن الطائفة المعرضة للأخطار في سبيل أسبابه الشخصية، وذلك من غير أن يلقى مكاناً يرتاح إليه تماماً . ولربما يكون تذكير مستقلي 14 آذار الشيعة بين حين وآخر في أحاديثهم بما حصل للنائب السابق حبيب صادق الذي ضُحي به على مذبح "التحالف الإنتخابي الرباعي"، خير معبّر عن خلفية تدفعهم مرة تلو أخرى إلى التجمع في لقاءات ومنتديات، آخرها "التجمع المدني" الذي يجمع شخصيات وناشطين أصحاب رأي يتطلعون إلى موقع ومنبر لإيصال رسالتهم المطابقة لرسالة "ثورة الأرز".
ويحرص عموم المستقلين هؤلاء على التوضيح أنهم لا يطالبون بمؤسسة حزبية تنافس الأحزاب، ولا هدفهم الإستحصال على مناصب ووجاهات، بل كل ما يتطلعون إليه هو إقرار، وتحقيق آلية للمحاسبة عندما ترتكب قوى آذار أخطاء، ولطالما أخطأت وتحملوا هم الأوزار ودفع الفواتير. لا يهمهم أن تكون آلية المحاسبة والإصلاح جمعية عمومية أو هيئة عامة أو مجلسا وطنياً. فهم يريدون تفاعلاً و"تواصلاً" بين القيادات والآخرين الخارج الأحزاب ولا يتطلعون إلى مكاسب، لا مقاعد نيابية ولا وزارات. يريدون مكاناً للصراخ في وجه 14 آذار عندما يرون أنها تحيد عن المبادىء الرئيسية ويلوحون بأنهم لن يبقوا "غب الطلب" في الإنتخابات وعند المفاصل الرئيسية. أراحهم موقف الرئيس سعد الحريري الذي تبنى مطالبهم في بيان أصدره أمس، وتريحهم المواقف الوطنية "المستقيمة" كما يسمونها للدكتور سمير جعجع. لكنهم يتنبأون لقوى 14 آذار بالتحوّل فريسة سهلة لـ"حزب الله" حتى لو سقط النظام السوري، إذا لم تسرع إلى ورشة ترميم وتدعيم لبيتها المشرّع على عواصف داهمة.